تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



مرت اللغة العربية بمرحلتين أساسيتين من الانتشار في إثيوبيا؛ المرحلة الأولى هي مرحلة التهيوء, وتشمل الفترة السابقة لظهور الإسلام حتى بدء انتشاره الحقيقي في إثيوبيا.

والمرحلة الثانية هي مرحلة الازدهار, وهي الفترة التي بلغ الإسلام فيها أوج ازدهاره وانتشاره, وشهدت الحبشة (إثيوبيا) قيام ممالك إسلامية بها, وهذه المرحلة شهدت ازدهاراً حقيقياً للغة العربية في إثيوبيا.  

أولاً: مرحلة التهيوء:

عرفت اللغة العربية طريقها إلى الحبشة منذ فترة بعيدة، فالجوار الجغرافي بين شبه الجزيرة العربية والحبشة أدى إلى قيام علاقات متعددة بين الجانبين، وقد ساعد على ذلك أن الفاصل بينهما هو البحر الأحمر الهادئ, والذي تضيق شواطئه وتتقارب, وتكاد يلامس بعضها بعضاً عند مضيق باب المندب.

وقد تبادل الجانبان العلاقات، فقامت علاقات تجارية وسياسية وهجرات متبادلة؛ مما أحدث نوعاً من التأثير والتأثر، فقد هاجرت بعض القبائل العربية إلى الحبشة وأثرت فيها أيّما تأثير؛ حيث كان هؤلاء المهاجرون أكثر تقدماً ورقياً من أهل البلاد الأصليين, فأثّروا في المناطق التي نزلوا بها؛ حتى أن اسم الحبشة ذاته مأخوذ من اسم إحدى هذه القبائل العربية المهاجرة إلى الحبشة، والتي تسمى (حبشة) أو (حبشات) ، كما أن لغة الحبشة القديمة (اللغة الجعزية) اكتسبت اسمها من اسم إحدى القبائل العربية المهاجرة, وهي قبيلة (الأجاعز) أي الأحرار.                                           

كذلك قامت علاقات تجارية بين الجانبين، فقد كانت الحبشة منذ أقدم الأزمنة سوقاً تجارية مهمة، وكانت مورداً لا ينضب لتجارة الرقيق الذي كان مطلباً من أهم مطالب الدول القوية القديمة، كما كانت غنية بالأخشاب والتوابل وسن الفيل والجلود.

وقد قام التجار العرب, وبخاصة اليمنيون, بدور كبير في تصريف هذه التجارة، فقد اتخذوا من ساحل إفريقيا الشرقي موطناً لهم، وعملوا على نقل هذه المواد إلى الدولة الرومانية الشرقية عبر مكة ويثرب, وإلى الدولة الفارسية عبر اليمن وحضرموت.

وقد تحولت هذه العلاقات إلى علاقات سياسية وحربية في كثير من الفترات، حيث عملت الحبشة على حماية طرق تجارتها, فغزت اليمن أكثر من مرة, واحتلتها في الفترة ما بين سنة 300 - 378 م, حتى استطاع اليمنيون طرد الأحباش، وكرر الأحباش الأمر مرة أخرى, واستمرت العلاقات بين الجانبين في توتر وشد وجذب لمدة طويلة حتى قبيل ظهور الإسلام.

ويلاحظ أن اللغة العربية في هذه المرحلة لم يتعد استخدامها في الحبشة نطاق المعاملات التجارية مع العرب, ولم تتجاوز الساحل الشرقي للحبشة, ولم تتوغل داخلها، ولذا يمكننا أن نعد هذه المرحلة التي سبقت ظهور الإسلام بواكير وإرهاصات لدخول اللغة العربية إلى الحبشة وانتشارها.

ثانياً: مرحلة الازدهار:

مع ظهور الإسلام شهدت اللغة العربية مرحلة جديدة من مراحل الانتشار في إثيوبيا، حيث حمل الإسلام اللغة العربية معه حيثما حلَّ وأينما ارتحل, وسارت اللغة العربية بجانب الإسلام تنتشر حيث ينتشر وتستقر حيث يستقر, فمع ظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية بدأت قريش تضطهد المسلمين, فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى الحبشة, واستقر المهاجرون المسلمون هناك فترة من الزمن، وإذا كانت هذه الهجرة لم تترك أثراً يذكر في نشر الإسلام أو نشر اللغة العربية في الحبشة؛ فإنها كانت بمثابة تعريف للأحباش بهذا الدين الجديد الوافد من جزيرة العرب. 

وبعد أن انتشر الإسلام في شبه الجزيرة العربية دانت بلاد العرب للمسلمين، وأصبحوا يتحكمون في طرق القوافل داخل الجزيرة العربية, فأسهموا بنشاط كبير في التجارة الشرقية بين مصر والهند عن طريق البحر الأحمر، وعبرت مجموعة قليلة من تجار العرب الساحل الغربي للبحر الأحمر، كما اخترق عدد من هؤلاء الحدود الحبشية وأسسوا لهم مراكز استقرار بالتدريج على الساحل الحبشي.

وبدأ العرب في الظهور كقوة فتية على الساحة العالمية، كما أخذ الإسلام يسير بخطى واسعة, واستقر في الساحل الشرقي للحبشة, وتكونت للمسلمين مراكز استقرار على طول الساحل الشرقي لإفريقيا, وامتزج المسلمون العرب بالوطنيين وصاهروهم, فأخذ الإسلام واللغة العربية ينتشران تدريجياً, واعتنق كثير من سكان الحبشة الإسلام, مثل قبائل الساهو والعفر في شرق الحبشة, والسيدامو وشوا في جنوبها, كما تأثرت به أيضاً القبائل الصومالية ودخل كثير من البيجا في الإسلام.

وكان كلما انتشر الإسلام في مكان أسرع إليه الفقهاء والعلماء, فأقاموا الكتاتيب لتحفيظ القرآن الكريم ولتعليم اللغة العربية ومبادئ الدين الإسلامي، وقد كان لهذه الحركة التعليمية أثر كبير في انتشار اللغة العربية بين هذه القبائل التي اعتنقت الإسلام, حيث استخدموها لغة دينية ووسيلة لإقامة شعائر دينهم، فكان كل داخل في الإسلام بحفظ ما يستطيع أن يقيم به صلاته, ثم يمضي إلى تعلم اللغة العربية ليزداد تفقهاً في الدين.

كما استخدم الأحباش اللغة العربية لغة تعامل مع التجار العرب المسلمين، كما استخدمت اللغة العربية - لغة القرآن الكريم التي جعلها الإسلام لغة عالمية للتفاهم -  لغة تعامل (Franca Lingua) مشتركة بين هذه القبائل؛ لأن كل قبيلة من هذه القبائل لها لغتها الخاصة بها, والتي لا تفهمها القبائل الأخرى, فأضفت اللغة العربية على هذه القبائل نوعاً من الوحدة الثقافية.

ولم يتوقف انتشار اللغة العربية على الساحل الشرقي للحبشة فقط بل امتد إلى داخل الحبشة نفسها، حيث حملها التجار العرب والدعاة والمعلمون إلى الداخل, وحملتها القبائل العربية المهاجرة والطرق الصوفية إلى أعماق الهضبة الحبشية.

وقد شهدت اللغة العربية مرحلة من الانتشار والازدهار الكبير, وقد ارتبط ذلك بالتوسع الإسلامي الكبير في الحبشة، ومن أبرز مراحل التوسع الإسلامي في الحبشة المـدة ما بين القرنين 10 - 12 م؛ إذ تُعد هذه المدة مرحلة التوسع المنظم للإسلام ديناً ودولة, حيث ظهرت الممالك الإسلامية في الحبشة، وشهدت ازدهاراً لنشر العقيدة الإسلامية, وتدعيم سلطان الممالك الإسلامية داخل الوطن الإثيوبي, وهذه الممالك اشتهرت وذاع صيتها وعُرفت باسم (ممالك الطراز الإسلامي), واشتهرت في هذا الطراز إمارات سبع هي: أوفات، دارداو، أرابيني، هدية، شرخا، بالي، دارة.

وقد اتسم تكوين هذه الممالك بصفة عامة بالطابع السلمي التجاري؛ إذ امتلك المسلمون ناصية التجارة الداخلية والخارجية, وقد ارتبطت هذه الممالك بالعالم الإسلامي الخارجي عن طريق التجارة والحج, وانتقال طلاب العلم للدراسة في المدينة المنورة ودمشق والقاهرة.  وقد اهتمت هذه الممالك بالتعليم الإسلامي, فأُنشئت المدارس المختلفة لتحفيظ القرآن الكريم وتعليم اللغة العربية, بالإضافة إلى تدريس العلوم الإسلامية؛ كالفقه والحديث والتفسير وغيرها.

وقد انتشرت اللغة العربية في هذه الممالك بشكل كبير, فكان أهاليها يتكلمون اللغة العربية إلى جانب لغاتهم المحلية، فكان أهل أوفات مثلاً يتحدثون العربية إلى جانب لغاتهم الحبشية, كما ذكر أحد الكتاب أنه في أثناء زيارته لمدينة دارداو وجد أن اللغة العربية في هذه البلدة هي اللغة السائدة, وأنها اللغة الأولى التي يتكلم بها أهلها حتى النساء والأطفال الصغار بفصاحة, حتى يخيل إليك إن سمعتهم أنك في بلد عربي. 

وشهدت اللغة العربية مرحلة أخرى من الازدهار في القرن السادس عشر, وهذه المرحلة ارتبطت بالموجة الجديدة لانتشار الإسلام، فقد شهدت حركة انتشار الإسلام أكبر قوة لها مع ظهور الإمام أحمد بن إبراهيم الذي استطاع توحيد مسلمي إثيوبيا, وأخذ يستولي على المدن الإثيوبية الواحدة تلو الأخرى, حتى دانت له البلاد بالولاء والطاعة, ودخلت أغلب أقاليم إثيوبيا في طاعته وتحت سيطرته ما عدا أجزاء محدودة منها، واستمر جهاد الإمام أحمد بن إبراهيم حوالي 15 عاماً قبل أن يتدخل البرتغاليون في ساحة الصراع والأحداث التي انتهت بمقـتله.

وبدأت سلطة المسلمين بعد ذلك في الضعف والتقلص؛ بعد أن وصلت إلى أوج ازدهارها وأقصى توسعها، وكان لهذه المرحلة من التوسع أثر كبير في توطيد قواعد الإسلام ونشر اللغة العربية في أنحاء إثيوبيا، حيث امتد الإسلام ووصل إلى أرض ومناطق لم يكن قد وطئها من قبل.

وقد شهدت اللغة العربية نهضة أخرى في القرن التاسع عشر في أثناء عصر الفوضى الذي ساد الحبشة، فقد كان الإسلام في أول القرن التاسع عشر يمر بفترة ركود, فَقَـدَ فيها حماسه ونشاطه في التقدم والانتشار, ولكنه استعاد نشاطه من جديد في تلك الفترة, وتمكنت مدينة هرر من استعادة نشاطها كمركز للإشعاع الإسلامي، وانتشر الإسلام في منطقة عروسي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.  أما مملكة الحبشة نفسها (فوق الهضبة الحبشية)؛ فقد بلغ انتشار الإسلام فيها مبلغاً كبيراً عن طريق إسلام قبائل الجالا (الأورومو) الذين استقروا فوق الهضبة.

وإذا كان التعليم الإسلامي قد انحصر وجوده، منذ عهد بعيد, في المدن الساحلية ومدينة هرر فقط؛ فإنه في خلال القرن التاسع عشر كان للنهضة الإسلامية أثر كبير في انتشار الإسلام واللغة العربية في كل الأنحاء، حيث قام المشايخ بتأسيس جميع أنواع المدارس في المدن والمراكز الإسلامية, وذلك من أجل تعليم الدين الإسلامي واللغة العربية. المصدر :قراءات أفريقية


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة