تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



لقد أضحت الترجمة اليوم جزءا من الوجبة المعلوماتية والاخبارية اليومية التي يتلقاها المشاهد او المستمع او القاريء . إذ أن وسائل الاعلام في ظل التبادل المعرفي والثقافي الذي نعيشه تتكيئ على الترجمة في نقل وتبادل خبرات الاخرين ومعارفهم وما لديهم من أخبار ومعلومات وبيانات. لذا تشكل المواد المترجمة نسبة كبيرة من بين ما تطرحه وسائل الاعلام من برامج وأخبار. وهي أي الترجمة، شأنها شأن أي مهنة متخصصة أخرى، لها ضوابط ومقاييس واعتبارات لا بد ان يراعيها المترجم اثناء عمله لكي يحظى بقبول المتلقي واستحسانه. ومن اهم الاعبتارات التي ينبغي للمترجم ان يضعها نصب عينيه هي تلك التي تتعلق بنظام اللغة المنقول إليها، وكلمة "نظام اللغة" تشمل أشياء كثيرة ليس هذا محل سردها لكن لعل من ابرزها النحو، وتآلف الكلمات في ذهن المتلقي ، بمعنى أن لا يأتي المترجم بكلمات تؤدي إلى تنافر معنوي في ذهن المتلقي ابن اللغة المنقول إليها، فلا بد أن تكون التراكيب مقبولة معنويا ومنطقيا حسب نظام اللغة المنقول إليها، ولعل هذه الناحية مما يقع فيها الخطأ كثيرا، ويتولد عنها مخرجات غير مقبولة ليس معنويا فحسب بل ومنطقيا ايضا، وسأضرب لذلك أمثلة قد يجد فيها القراء بعض الطرافة:

حكاية الثقب الذي أعيا المترجمين:

في برنامج مترجم عن الحياة في العروض الشمالية المتجمدة كان المذيع المترجم يتحدث عن البيات الشتوي للدب القطبي، يقول: وعندما يأتي الشتاء يبحث الدب عن (ثـقـب) لينام فيه خلال هذا الفصل. ...!! هكذا (ثقب لينام فيه) ، ولك أخي القاريء ان تقضي العجب من هذا الثـقـب الذي يمكنه أن يؤي دبا بكامله! فالثقب في العربية لا يمكنه أن يتسع لدب، ولا حتى لقط! ولنا ان نتذكر الاية الكريمة (لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) يعني ثقب الإبرة، كناية عن الاستحالة. ونفس الخطأ يتكرر عندما يسأل المذيع الصياد في المنطقة القطبية عن كيفية نومه في رحلات القنص، فاشار الرجل إلى حفرة قريبة فقال المذيع متساءلا: انت تنام في هذا الثقب؟ وسرى الخطأ ايضا إلى قصة قصيرة قرأتها مترجمة عن تولوستوي نشرت في إحدى المجلات ، وذُكر فيها سجين يخطط للهرب فحفر حفرة تحت جدار الزنزانة ، يقول المترجم: حفر السجين (ثقبا) ليهرب منه، وهذا بالنسبة للمتلقي العربي تركيب معقد معنويا، لان الثقب في العربية لا يمكن ان يمر من خلاله انسان، حتى لو تحول إلى هلام أو حتى إلى أثير، اللهم الا ان يكون ثقب الأوزون، وهو مترجم على أية حال! المهم أنه كان ينبغي استعاضة هذة الترجمة بكلمة (حفرة، او جُحر، او وجار (في حالة نوم الدب مثلا)) بدلا من (ثقب) هذه، لان هذه الكلمات تتآلف معنويا مع الفاعل في تلك الجمل. الآلة محطمة.

ومثال آخر في فيلم تسجيلي مترجم عن الجرائم، إذ يدخل اللصان إلى محل تجاري كبير يحتوي على (مكينة) صراف نقود تابعة لاحد البنوك، فقال اللصان لصاحب المحل وقد تظاهرا بزي موظفي صيانة جاء إلى الالة فوضعاها على عربة وقالا: "إن الالة (محطمة) وينبغي إصلاحها!"، هكذا، وهذه ترجمة فيها تعقيد معنوي أيضا بالنسبة للمتلقي العربي، لماذا؟ لأن الالة ما دامت (محطمة) فما الفائدة المرجوة من اصلاحها؟ بل كيف يمكن تصور اصلاحها وصيانتها وهي قد تحولت إلى حطام بناء على نص الجملة؟ هذا مع ملاحظة ان الالة تبدو للمشاهد من دون اي آثار تحطيمية، اذن فالوجه الصحيح ان تترجم (متعطلة) او (معطوبة) او نحو ذلك بدلا من (محطمة) هذه الناتجة عن الترجمة الحرفية.

"أخيرا وليس آخرا":

وهذه هي ثالثة الاثافي، فما تعني هذه العبارة لدى القارئ او المستمع العربي؟؟ ببساطة لا شيء، نعم لا شي للأسف. لماذا يا ترى، أليست كلمات عربية وحروف فصيحة؟ نعم هي كذلك، ولكن التركيب ليس بعربي ، والذي ترجمه من اللغات الأجنبية نقله بصورة حرفية بحيث أصبح يردده العربي كالببغاء من دون أن يعني له شيئا. وللتدليل على ذلك أسأل أحدهم أن يشرح لك معناه، ليقول لك إما أنه لا يفهمه ، أو أن يقول: الاخير هو الآخر و(ليس) زائدة لامحل لها من الاعراب، وذلك لكي يفلت من التعقيد المعنوي أو المنطقي الذي سيقع فيه بسبب ترادف االكلمتين في العربية، خاصة إذا علمنا أن (الآخر) هي كلمة مقابلة للأول كما في الآية: (هو الأول والآخر والظاهر والباطن) ، والأخير تعني كذلك عكس ألأول كما في قول الشاعر : وإني وإن كنت الأخير زمانه ... . لكن هذا التركيب الأجنبي يعني في الأصل المنقول عنه: الأخير في الذكر ولكن ليس بالأقل أهمية، فاعلمه يا رعاك الله. لذا يمكن ترجمته بأسلوب يفهمه المتلقي العربي هكذا، أو بأي كلمات أخرى تؤدي المعنى. هذا مع ملاحظة أن هذا التعبير الأجنبي في لغته الاصلية قد بلي من كثرة الاستخدام حتى فقد دلالته.

لغات بالدرزن:

وفي أحد الكتب عن الرحالة الغربيين في الجزيرة العربية يقول المترجم عن الرحالة بيرتون: "تعلم ريتشارد بيرتون (نصف درزن) من اللغات"، والشاهد في قوله "نصف درزن من اللغات"، ولنا أن نستغرب هذه الترجمة التي تبيع اللغات بالدرزن والكرتون، وكأنها سلع او بضاعة معروضة في محل بيع بالجملة، لذا فالصحيح أن تترجم (ست لغات) بدلا من (نصف درزن) ، فنظام العربية لا يعد المجردات بما تـُعد به الماديات والمحسوسات، هذا فضلا عن أن (درزن) في العربية تستعمل في السلع فحسب.

عتاد:

ومن طرائف المترجمين قول أحدهم أن تكوين الحاسب الالي يتشكل من: عتاد ، وبرمجيات. ووجه الاشكال أن عتاد (والمقصود بها الأجهزة التي يتألف منه الحاسب) هي كلمة اعتاد المتلقي العربي لقرون عدة أن يربطها بالحرب، فيقال عتاد حربي مثلا، وان الدولة تلك تتفوق عسكريا بقوة العتاد، وقولهم العدة والعتاد ، وكذلك ليست ببعيد عنا الاية الكريمة (إنا أعتدنا للظالمين سلاسل وأغلالا وسعيرا) وهكذا، فمن غير المألوف إذن استخدامها في مجال الحاسب، ويكفي أن نقول (أجهزة).

 

المصدر: منتديات آرتين

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة