مشاركة ملف الصفحة الرئيسية البحث تابعنا
الترجمة في إطار الثقافة الإنسانية وتعميق الحوار بين الثقافات حركة الترجمة في الحضارة الإسلامية دور الترجمة في توسيع أثر النصوص المتخصصة الترجمة ودورها الحضاري المؤسس أثر الترجمة على الثقافة عن أهمية دور الترجمة في نقل المعرفة حركة الترجمة، وحاصلُ القسمة بين الثقافة المهيمنة والثقافة "الخاضعة"
 
كاتب المقال

كتب : المترجم العربي
الوظيفة : ناشر
شاركنا المقال  
العلاقات الفنية في نشوء الأبجدية بين اللغتين الآرامية والعربية الجزء الثاني
10/25/2017 : مشاهدات 21 : اعجابات

 

أما العلاقة الفنية بين الأبجديتين الآرامية و العربية فتنحصر في أربعة وجوه هامة وهي

أولاً - انحدار الأبجدية العربية من الأبجدية الآرامية

اختلف المؤرخون العرب في المصدر الذي انحدرت منه الأبجدية العربية ،  فذكر معظمهم أنها منحدرة من الخط المسند  . ولكننا لا نستطيع اقامة دليل ملموس على صحة هذا الرأي ، لأننا لا نحوز آثاراً خطيّة تؤيده ،  وقد ظهرت في الآونة الأخيرة رُقم حجرية عثر عليها المستشرقون في فترات متفاوتة من الزمن ،  وهي تحوي دلائل ملموسة تنير طريق البحث في هذا الموضوع ،  وبعد دراسة هذه الرُقم الحجرية الهامة قرّر علماء الساميات ان الأبجدية العربية اشتُقت من الأبجدية النبطية الآرامية . ولا نعدم شهادة تاريخية عربية هامة تؤيد هذا الرأي . قال البلاذري في فتوح البلدان : "اجتمع ثلاثة نفر من طيء ببقة وهم مرامر بن مرة ،  واسلم بني سدرة ،  وعامر بن جدوة فوضعوا الخط ،  وقاسوا هجاء العربية على هجاء السريانية ،  فتعلمه منهم قوم من الأنبار ،  ثم تعلمه أهل الحيرة من أهل الأنبار ،  وكان البشر بن عبد الملك أخو أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجن الكندي ثم السكوني صاحب دوحة الجندل ،  يأتي الحيرة ،  فيقيم بها الحين ،  وكان نصرانياً ،  فتعلم بشر الخط العربي من اهل الحيرة ،  ثم أتى مكة في بعض شأنه فرآه سفيان بن امية بن عبد شمس ،  وأبو قيس بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب يكتب ،  فسألاه أن يعلمهما الخط فعلمهما الهجاء ،  ثم أراهما الخط فكتبا "

واذا دققنا هذا النص التاريخي الهام نجد أنفسنا أمام شهادة صريحة تؤيد ما ذهب اليه علماء الساميات وهو أن ( النفر ) الذين ( اجتمعوا ) ببقة ( وضعوا الخط وقاسوا هجاء العربية على هجاء ( السريانية ) . والأصح أن يقال ان هؤلاء الثلاثة ( تعلموه ) لا وضعوه

أما الخط المسند فانه خط حميّر ،  ومن المعروف ان الحميريين استبدلوا الخط المسند بالخط السرياني . والمعروف ايضاً أن الخط المسند الحميّري هو خط سيء ،  وقيل أن الخط المسند منقول من الخط الكنعاني مباشرةً ،  الا أن ثقات المستشرقين ينكرون ذلك ،  ويؤيدون أن خطوط شمال بلاد العرب منقولة مباشرةً عن الخط الآرامي اعتماداً على ما كان بين الآراميين وهذه القبائل العربية من القربى والجوار . وهذا الرأي نرجحه ،  لأن القبائل العربية لم تلتق مطلقاً بالمدينة الكنعانية ،  بل امتزجت بالمدينة الآرامية كما رأينا في اوائل بحثنا هذا

 

اما صدور الأبجدية العربية من الأبجدية النبطية الآرامية فنرى انه تمّ على مراحل وفي فترة تقارب القرنين من الزمن ،  وقد ظهرت رُقم اثرية هامة أنارت الطريق أمام الباحث في هذا الموضوع

ان هذه الرُقم الأثرية توضح لنا كيف تولدت الأبجدية العربية من الأبجدية النبطية الآرامية ،  ويتم لنا ذلك اذا قابلنا بين القلم النبطي المتاخر والقلم العربي القديم ،  واشهر الرقم التي يجب دراستها في هذا المضمار هي خمسة نقلها المستشرقون نيبيه آبوت وسفجت ووايت . وقد حظينا بدراسة وافية لبعضها قام بها سفجت ووايت وهو ما يساعدنا على الافادة منها في موضوعنا ،  ونقلها ايضاً وعلّق عليها الأستاذ اسرائيل وليفنسون كما نقلها الأستاذ ناصر النقشبندي في مقاله ( منشأ الخط العربي )

أما كيفية المقابلة بين هذه النصوص الأثرية فتتم بملاحظة القلم النبطي المتأخر ،  والقلم العربي القديم ،  ويمكن وضع هذين الرقمين ( النبطي المتأخر ،  والعربي القديم ) أنموذجاً للملاحظة والمقابلة والاستنتاج ،  أما النبطي المتأخر فانه رقيم ام الجمال الاول الذي عثر عليه في ام الجمال الواقعة في جنوب حوران في شرق الاردن ،  وهو يعود الى قبر فهر بن جذيمة ملك تنوخ ، وتاريخه نحو سنة 250 م ،  أما العربي القديم فانه رقيم النمارة الذي عثر عليه في موقع النمارة بجبل الدروز وتاريخه نحو 328 م ،  وهو يعود لقبر امرئ القيس بن عمرو ملك العرب في الحيرة ،  وملاحظة هذين الرقمين تعطينا فكرة كاملة في تولد الخط العربي ،  فان معظم الحروف متشابهة تقريباً ،  وهذا التشابه يظهر في شكل الحروف ،  ومن المعروف ان الخط النبطي القديم كانت حروفه منفصلة بعضها عن بعض على ما نراه في رقيمي ( مرانا ملك النبط ) . و (هجرفس الملك ) . اما هذا الرقيم وما اليه فنجد فيه كثيراً من الحروف متصلة ببعض ،  وهو ما يوضح كيفية تطور هذا القلم حتى تولد منه القلم العربي ،  ويظهر لنا هذا التطور اذا وضعنا ازاءه رقيم النمارة الذي يعد أقدم نص عربي ،  فحروفه في معظم الاحوال متصلة على غرار الرقم النبطية المتأخرة ،  وهي تتشابه تشابهاً عظيماً

ولننتقل الى دراسة رُقمين آخرين هما رُقيم زبد الذي وجد في خربة كنيسة بين قنسرين والفرات بثلاث لغات هي اليونانية والسريانية والعربية ،  ويعود تاريخه الى سنة 512 م . ورقيم حران الذي وجد في المنطقة الشمالية من جبل الدروز مكتوباً باليونانية والعربية على حجر فوق كنيسة قديمة ،  ويعود تاريخه الى سنة 568 م ،  ويعتبر أول نص العربي كامل في جميع كلماته وأسلوبه ،  ففي دراسة هذين الرقمين نجد تطوراً عظيماً في أسلوب الخط العربي وسيره أشواطاً هامة في الاستقلال عن مصدره الخط النبطي ،  فالحروف في جميع الكلمات متصلة تماماً ،  وقد اتخذت اتجاهاً مستقلاً خاصاً ،  ولم يبق فيها من الشكل النبطي الا الشيء القليل ،  تجده في بعض الحروف فقط وهو الدلالة الباقية على مصدره الاصلي النبطي .

واذا تقدمنا في الزمن استعرضنا رقيم أم الجمال الثاني والذي يعد أحدث نص عربي عثر عليه حتى الآن ،  ويعود تاريخه الى منصرم القرن السادس الميلادي ،  نجد أمامنا كتابة عربية مستقلة تمام الاستقلال ،  مع الاحتفاظ بأشباح باهتة من الشكل النبطي وهذا آخر تطور للخط العربي بعد اتخاذه صبغته الخاصة .

وأقدم صورة للخط المستقل هو الخط الكوفي الذي كان يسمى أيضاً بخط الجزم واذا تأملنا هذا الخط نجد فيه الاشباح النبطية لم تزل ماثلة ،  ثم انتقل هذا الخط من الحيرة الى مكة ،  وقيل وصل من اليمن الى الحيرة والأنبار بوساطة كندة والنبط . وهكذا لم يزل الخط العربي يتطور وينحو جانب السهولة والتبسيط حتى وصل الى حالته الحاضرة ،  كما ان الخط الآرامي أيضاً تطور تطوراً محسوساً فأشتقت منه عدة أقلام وأشكال مختلفة ذكر بعضها ابن النديم في فهرسته

واجلّ أقلام الخط الآرامي المتأخر هو الاسطرنجيلي ،  ويقال له الخط الرهاوي أو الثقيل ،  وقد استنبطه بولس بن عرق او عنقا الرهاوي في مطلع القرن الثالث ،  وقد تأثر به الخط الكوفي تأثراً عظيماً ،  بل قيل أن أصل الخط العربي الكوفي هو الخط الاسطرنجيلي نفسه . الا أننا نعتقد ان الخط الاسطرنجيلي هذا انتقل في القرن الثالث الى اليمن فاحتل كتابات آل نجران ثم وصل الى الحيرة القريبة من الكوفة ،  والأظهر ان الخط الكوفي بعد ان اخذ عناصر من الخط النبطي تأثر بالخط الاسطرنجيلي وأخذ اشكاله عنه ،  وذلك عن طريق نجران والحيرة  . وقد علمنا أن اليمن والحيرة كانتا مركزين للكتابة والثقافة وتأثر الخط العربي بهذا الخط الآرامي معقول جداً ،  بل أنه صواب ،  لأن اشكال الخطين المتقاربة تؤيد ذلك ،  وقد دام استعمال الخط الاسطرنجيلي عند السريان الى المئة الرابعة عشرة ،  على أنه نشأ من خط سرياني آخر في القرن التاسع ،  وهو الخط السرياني الغربي الذي تطور نحو السهولة واحتفظ الآن بالخط الاسطرنجيلي كاملاً لتزيين رؤوس الفصول في الكتب الخطية الهامة ،  كما نشأ عن الخط الاسطرنجيلي ايضاً ما يسمى بالخط السرياني الشرقي ،  ونشأت أشكال أخرى للخط السرياني ما زالت ماثلة في المخطوطات الكثيرة النفيسة التي تملأ خزائن الشرق والغرب

ولو عدنا مرة اخرى نستعرض هذه النصوص الأثرية الخمسة ،  لرأينا أعظم نصر يحققه التعاون الوثيق بين الآرامية والعربية . فالنص الأول ، ( رقيم أم الجمال الأول ) وهو آرامي الأبجدية واللغة ،  شأن عدد كثير من الرُقم الأثرية المكتشفة في مواطن الآراميين الأول . ولكنه ينقل الينا حادثة عربية صرفة . او بالحري انه يعني بتخليد علم عربي خالص . والنص الثاني ، ( رقيم النمارة ) نجد فيه لوناً جديداً من ألوان الحياة ،  فانه آرامي عربي بلغته وأبجديته ،  اي أن اللغة التي كتب فيها وردت فيها مفردات آرامية الى جانب المفردات العربية ،  وأبجديته ما زالت محافظة على لونها الآرامي ،  انما ظهرت فيها بوادر أبجدية فتية جديدة هي طلائع الأبجدية العربية . والنص الثالث ، ( رقيم زبد ) يشبه النص الذي سبقه بامتزاج اللغتين الآرامية والعربية مادةً وحرفاً ،  الا أننا نلاحظ زيادة في جنوح الناحية العربية الى التبلور والاستقلال . أما النص الرابع ، (رقيم حران ) فقد زالت منه المفردات الآرامية ،  وبقيت فيه صيغتها الحرفية ماثلة ،  ومثله النص الخامس ( رقيم أم الجمال الثاني ) نجد فيه تحرر العربية من الآرامية مادةً وحرفاً ،  ما خلا ما بقي من الدلائل الشكلية التي تعيد الى أذهاننا صور الأبجدية الآرامية بشكل ضئيل ،  وهذا لعمري أعظم دليل على سير اللغتين الشقيقتين في طريق النمو والاكتمال

وعند انتشار اللغة العربية في مواطن الاراميين في سورية والعراق وعلى أثر الفتوحات العربية نشأت طريقة جديدة عند الآراميين المسيحيين ،  وهم السريان ،  لكتابة العربية ،  وهي التي تسمى ( الكرشوني ،  او الجرشوني بالجيم المصرية ) وهي أن تكتب اللغة العربية بالحروف السريانية ،  وذلك منذ منتصف القرن السابع الميلادي . وكأني بالسريان أرادوا بهذه الطريقة اعادة مجد أبجديتهم التي كتبت بها اللغة العربية في عهد كتابتها الاولى . وهذه الطريقة ما زالت مستعملة عند عموم طوائف السريان الى يومنا هذا ،  فتجد جميع طقوسهم وكتبهم المقدسة الكنسية المترجمة الى العربية تكتب بالابجدية السريانية . ولدينا نسخ كثيرة من هذا النوع قديمة وحديثة في جميع كنائسنا السريانية

أما لماذا سميت هذه الطريقة من الكتابة بـ ( الكرشوني ) فلم يتصل بنا تعليلها من السّلف ،  مع انها قديمة جداً كما علمنا الآن ،  والا ظهر انها اتخذت اسمها (الكرشوني ) من ( قريش ) . ونحن نعلم أن القرشيين في مستهل القرن السابع كانوا يؤمّون أمصار الشام وغيرها لغايات تجارية ،  ومن المعلوم أن التجار يحتاجون الى سجلات ودفاتر حسابية وغيرها في عملهم التجاري ،  ولمّا كانت الأبجدية العربية في مستهل القرن السابع غير شهيرة على الأقل ،  كون من المؤكد ان تجار قريش كانوا يكتبون سجلاتهم بالحرف الآرامي واللغة العربية ،  وربما شاعت هذه الطريقة في ربوع الشام قبل غيرها ،  ولمّا كان القرشيون هم الذين روّجوها واستعملوها أكثر من غيرهم نسبت اليهم . ولكن كلمة ( كرشوني ) لا تحمل طابعاً عربياً في صيغة النسبة بل تحمل طابعاً سريانياً آرامياً صرفاً ،  لأن صيغة النسبة باللغة السريانية كثيراً ما تكون بالنون قبل الياء السابقة لألف الاطلاق ،  وهكذا وضعت في هذه اللفظة النون قبل الياء السابقة لألف الاطلاق الملغاة ،  فتكون لفظة ( كرشوني ) والحالة هذه منسوبة الى قريش العربية،  وبذلك عادت الابجدية الآرامية السريانية الى معانقة صديقتها القديمة اللغة العربية ،  ولمّا كان حرف ( القاف ) يقلب في اللهجات العربية المحكية الى ( ج ) كالجيم المصرية ( مثل القاف في قلب ،  قمر ،  قصر ) ويقال فيها : ( كلب و كبر ،  كصر ) ،  قيل في نسبة هذه اللفظة ( كرشوني – لا قرشوني ) كما كان يجب أن يقال فيها وهذا أوجه تعليل نراه الآن

ولمّا كان في الأبجدية السريانية اثنان وعشرون حرفاً فقط ،  وهذه ليست كافية لكتابة اللغة العربية التي تحتاج الى ثمانية وعشرين حرفاً ،  عمد السريان الى الطريقة التي اعتمدها العرب اولاً عندما استمدوا الابجدية السريانية الآرامية للغتهم ،  فصوروا كل حرفين متجانسين شكلاً بحرف واحد فصوّروا التاء والثاء بحرف ( التاو ) ،  والدال والذال بحرف ( الدولث ) ،  والصاد والضاد بحرف ( الصودى ) ،  والطاء والظاء بحرف ( ( الطيث ) ،  والجيم والغين بحرف ( الجومل- بالجيم المصرية ) ،  والكاف والخاء بحرف ( الكوف ) . وميّزوا بين هذه الحروف بطريقة الترقيق والتفشية السريانية المعروفة عندهم ،  فوضعوا نقطة حمراء فوق الحرف القاسي كالدال ،  ( ونقطة حمراء تحت الحرف اللين كالذال ) وهكذا أعادوا الحروف الآرامية السريانية الى سابق عهدها مع اللغة العربية

المصدر : syriacstudies

اعجبنى المقال
   
  مواضيع ذات صلة
 
العلاقات الفنية في نشوء الأبجدية بين اللغتين الآرامية والعربية الجزء الخامس
العلاقات الفنية في نشوء الأبجدية بين اللغتين الآرامية والعربية الجزء الرابع
العلاقات الفنية في نشوء الأبجدية بين اللغتين الآرامية والعربية الجزء الثالث
العلاقات الفنية في نشوء الأبجدية بين اللغتين الآرامية والعربية الجزء الثاني
العلاقات الفنية في نشوء الأبجدية بين اللغتين الآرامية والعربية الجزء الأول
العرب والآراميون الجزء الثاني
 
 
شاركنا تابعنا للتواصل

   
art@arabletters.com
info@arabletters.com