مشاركة ملف الصفحة الرئيسية البحث تابعنا
لغات الهند الترجمة الأدبية من العربية - رؤية جديدة وشهرة متزايدة التفاعل اللغوي بين اللغة العربية واللغات السامية في صدر الإسلام أدباء سوريون يشقون طريقهم في المهجر مقهى آينشتاين يحتضن الأدب العربي في برلين أثر الحضارة الإسلامية على أوروبا نشوء وتطور اللغة الألمانية
 
كاتب المقال

كتب : المترجم العربي
الوظيفة : ناشر
شاركنا المقال  
نحو تحرير الروح العربية – الاسلامية من عقالها
10/9/2017 : مشاهدات 18 : اعجابات

هناك صورة شائعة – وربما وهمية – عن الفكر تقول بأنه موجود في كل مكان أو متوافر في كل البلدان. فحيثما يوجد بشر أو شعب ما أو لغة ما يوجد فكر بالضرورة. وحيثما توجد جامعات ودراسات عليا وشهادات دكتوراة يوجد الفكر، في الواقع، إن الفكر أكثر ندرة مما نتوقع. بل إن الشيء الطبيعي هو الا يوجد الفكر، الشيء الطبيعي هو أن يسهى الناس عن الفكر، أن ينسوا الفكر، أن يعيشوا في غفلة وبحبوحة من العيش بعيدة عن حمأة الفكر. بالطبع إذا كان المقصود بالفكر الحد الأدنى من التفكير وتدبير شؤون المعاش والحياة اليومية – أو حتى كتابة – كاتب

 

رسالة دكتوراة ! – فإنه متوافر على كافة الأصعدة، وفي كل مكان. كل البشر يسرحون الى أعمالهم ويدبرونها ما استطاعوا الى ذلك تدبيرا. ولكن إذا كان المقصود بالفكر انبثاق تصور جديد للأشياء، أو انهيار تصور سابق، أو سقوط مرحلة وبداية مرحلة، فإن الفكر نادر جدا. ولكي يظهر الفكر – أي لكي يحصل ذلك الحدث الصاعق الذي يشبه "فلق الصبح _ – ينبغي أن تتوافر عدة شروط أولها الكارثة. بمعنى: ينبغي أن تحصل كارثة حقيقية لكي يولد الفكر، لكي ينبت الفكر في الأرض البوار.

 

الفكر نور ينبجس من رحم الظلام، وضد الظلام. ولكن الظلام لا تنفرج أساريره عن وضح الصبح إلا بعد أن يلفظ آخر أنفاسه: أي بعد أن يشهد آخر عتمة – العتمة التي تسبق مباشرة فلق الصباح.

 

هذا يعني أن الفكر عملية صعبة، مريرة لا تعطي نفسها بسهولة بمعنى أخر: لا يدخل ساحة الفكر من يشاء. وربما حاول أحدهم بكل الوسائل أن يصبح مفكرا يشار اليه بالبنان، وبذل من أجل ذلك الغالي والرخيص، وسهر عليه الليالي، ثم لم يتوصل في نهاية المطاف الى أكثر من دارس جيد أو أكاديمي مفيد. وربما حاول أحدهم أن يهرب من الفكر بكل الوسائل، وأن يكرس حياته لشيء آخر غير الفكر: للحب مثلا أو للمتن أو للعيش والنجاح في الحياة… فإذا به يجد كل ذلك يهرب من بين أصابعه. ويجد نفسه مقودا، كما لو غصبا عنا، الى أن يدخل حلبة الفكر الى أن يصبح مفكرا. الفكر غير مضمون النتائج سلفا، أو منذ البداية إنه مخاطرة كبرى لا يجرؤ عليها إلا أولئك الذين فقدوا كل شيء تقريبا -أولئك الذين وصلوا الى حافة الهاوية.

 

لا يجرؤ على الفكر إلا أولئك الذين أصيبوا بجرح عميق، أو في العمق هؤلاء هم وحدهم الذين يستطيعون أن يدخلوا حلبة الفكر أو معمعة الفكر. لماذا؟ لأنهم خسروا كل شيء تقريبا، ولأنهم كانوا قد دفعوا الثمن مسبقا، ودفعوه باهظا. كلما كبر الجرح كبر الفكر. كلما غار في الأعماق والأقاصي، كان الفكر يانعا، قويا، طيبا. وأكاد أراهن على أنه لولا مرضه لما أصبح نيتشه مفكرا. ولكن كان ينقصا شيء واحد لكي يصبح مفكرا: كان يلزمه أن يسقط صريع المرض، وأن يترك الجامعة، وأن يهيم على وجها وحيدا، هامشيا، ضائعا. كان يلزمه أن يدفع الثمن باهظا، و"من شخصه ". كانت تلزمه صدمات أو خيبات تكاد تهد الجبال –بما فيها خيبة الحب -. كان يلزما أن يصل الى نقطة حرجة، نقطة حدية تفرض عليه خيارين لا ثالث لهما: إما أن يفكر واما أن ينتحر.

 

* 2 *

 

إذا كان ذلك ينطبق على الأفراد والأشخاص فلماذا لا ينطبق على الأمم والشعوب ؟ الأمم أيضا ينبغي أن تدفع الثمن باهظا قبل أن تمسك بأول الخيط الذي يؤدي الى النور. الأمم أيضا تشعر أحيانا بأنها مهددة في وجودها في تماسكها وكينونتها. وينبغي أن تشهد كارثة حقيقية لكي تنبث فيها فكرة واحدة أو حتى نصف فكرة ذات معنى. لكي نستطيع أن نطرح سؤالا واحدا على الواقع ينبغي أن يحصل انهيار، أن ينفجر في وجهنا زلزال. ذلك أن السؤال محجوب في أعماق الواقع ومكبوت في تلافيفه وأحشائه، من يجرؤ على الاقتراب من السؤال مسافة أكثر من اللازم احترقت يداه، وربما عميت عيناه، ذلك أن السؤال محمي ومحروس بالأسلاك الشائكة، السؤال مقفل عليه بالرتاج. ممنوع أن تقترب من السؤال، ممنوع أن تنظر اليه، أن تحدق فيه، أن تطرح عليه علامة استفهام، ذلك أن السؤال مطموس منذ زمن طويل الى حد أنه لم يعد يبدو سؤالا لقد تحول الى جواب نهائي قاطع ومانع. لقد أصبح مسلمة بديهية لا تحتاج الى نقاش لقد فقد تاريخيته وغاص في أعماق الزمن السحيق، وخلع عليه الزمن المتطاول حلة التقديس.

 

يضاف الى ذلك أن السؤال محروس بالرجال. هناك قوى كاملة بعددها وعدتها مستعدة في كل لحظة للإنقضاض على من تسول له نفسا أن يقترب من منطقة السؤال. هناك جيوش من المراقبين والمخبرين والحراس والموظفين. هناك أمة بأسرها كانت قد بنت مشروعيتها، وأسست كيانها وهويتها على طمس السؤال على تقييد السؤال بالأغلال، على تحويل السؤال الى جواب، من يستطيع إذن أن ينبش السؤال من تحت الأنقاض، أن ينفض عنه الغبار، أن ينزع من حواليه الألغام؟ من يستطيع أن يحفر تحت السؤال ويل لمن تسول له نفسه أن يقترب من منطقة السـؤال (1).

 

الكارثة وحدها أو الزلزال قادرة على زحزحة السؤال. الكارثة وحدها قادرة على فضح بداهة السؤال، على إماطة اللثام عن وجه السؤال. لهذا السبب يبدو الفكر – في أوله – بمثابة فضيحة. كل فكر لا يفضح، لا ينبش لا يعري، ليس فكرا، لذلك فإن الفكر الذي قد يظهر في الساحة العربية – الإسلامية عما قريب سوف يبدو فضائحيا بامتياز. وربما راح يشتغل تحت العنوان العريض التالي: الحفر الأركيولوجي في الأعماق.

 

لماذا هذا الهوس بالحفر، بالتعرية، بالفضيحة لأن الأرض العربية الاسلامية عطشى للحقيقة.

 

* 3 *

 

لكي أوضح ما أقوله سوف أضرب بعض الأمثلة من التاريخ الأوروبي القريب أكثر مصا نعتقد. معظم المؤرخين متفقون على القول بأنه لولا تردي المسيحية في القرون الوسطى الى أسفل وهدة، ولولا جفاف نسفها وتحولها الى قوالب جامدة فاقدة للروح لما كان انفجار لوثر وولادة الإصلاح الديني في بداية القرن السادس عشر، فالواقع أن الإيمان المسيحي كان قد وصل في ذلك الحين الى درجة هائلة من التكلس بحيث إنه لم يعد ينفع معه أي ترقيع أو مجاملة. لقد فقد حيويته الأولى وبراء ته الأصلية وتحول الى مجرد تقليد اجتراري لا ماء فيه. لقد أصبح وسيلة للتكسب والضحك على العامة وجمع الأهوال الطائلة مع التظاهر بالورع والخشوع الكاذب. وأصبح كرادلة روما يرفلون بالدمستق والحرير ويبنون القصور الفخمة ويفرضون الزكوات الإجبارية (أي الضريبة بلغة هذا الزمان / على الشعب الطيب المسكين الذي انكسر ظهره تحت وطأة مطالبهم واحتياجاتهم التي لا تنتهي وكل ذلك باسم المسيح والإنجيل والدين الصحيح، وبلغ تسييس الدين درجة من الوقاحة لم يسبق لها مثيل. عندما وصلت الأمور الى مثل هذه الدرجة من التردي والإنحطاط انبثق لوثي وثورته العارمة. فلولا التردي لما كان الإصلاح، لولا الزيف والمتاجرة بالدين لما كانت الحقيقة – لما كان الجوع الى الحقيقة – (وكان لوثر في وقته يمثل اكبر فضيحة) (2)

 

أما المثل الثاني الذي أود أن أضربه هنا فهو أيضا من تاريخ أوروبا. وهو أيضا أو دلالة بالغة، بل ويمثل بشكل من الأشكال استمرارية للأول لأنه يعبر عن جوع للحقيقة والتعرية. فمن معروف أن أوروبا قد عانت كثيرا مما يدعونه بحرب الأديان (La guerre des religions).

 

في الواقع إنها كانت أساسا حرب المذاهب المسيحية، أي الحرب بين الكاثوليك والبروتستانت. حصل ذلك الى درجة أنها قد أصبحت شيئا يضرب به المثل. فعندما يختلف ساسة فرنسا الحاليون فيما بينهم حول مسألة ما نسمعهم يقولون: لا نريد أن نجعل منها حرب أديان أي مشكلة تستعصي على الحل، أو حرب أهلية داخلية)، هذا يعني أنها قد حفرت نفسها في أعماق الوعي – أو اللاوعي – الأوروبي الى حد أنها أصبحت ذكرى لا تمحى. وهكذا جاء عصر التنوير كرد فعل على تلك الجرائم التي ارتكبت باسم المسيحية والدين الحق (أو المذهب الصحيح). ودفعت المسيحية ثمن ذلك باهظا. فقد ثار عليها كل مفكري أوروبا الأحرار واتهموها بشتى أنواع التهم والنعوت وتبرأوا منها. وأصبح رجال الدين مدعاة للسخرية والإستهزاء، وفقدوا هيبتهم ومكانتهم بسبب قيادتهم أو تبريرهم لتلك الحروب والمذابح المذهبية.

 

 

المصدر مجلة نزوي

 

اعجبنى المقال
   
  مواضيع ذات صلة
 
دمج تقنية المعلومات والاتصالات في تعليم اللغة العربية
اللغة العربية في عصر العولمة
المدخل التقني في تعليم اللغة العربية
معايير توظيف التقنية في تعليم اللغة العربية وتعلمها
دمج التقنية في تعليم اللغة العربية : ضرورة أم ترف
علاقة اللغة العربية بتقنية المعلومات
 
 
شاركنا تابعنا للتواصل

   
art@arabletters.com
info@arabletters.com