مشاركة ملف الصفحة الرئيسية البحث تابعنا
الترجمة في إطار الثقافة الإنسانية وتعميق الحوار بين الثقافات حركة الترجمة في الحضارة الإسلامية دور الترجمة في توسيع أثر النصوص المتخصصة الترجمة ودورها الحضاري المؤسس أثر الترجمة على الثقافة عن أهمية دور الترجمة في نقل المعرفة حركة الترجمة، وحاصلُ القسمة بين الثقافة المهيمنة والثقافة "الخاضعة"
 
كاتب المقال

كتب : المترجم العربي
الوظيفة : ناشر
شاركنا المقال  
القصيدة العربية الجديدة: الاطار النظري والنماذج
10/9/2017 : مشاهدات 15 : اعجابات

تنتسب الصياغة النظرية لمفهوم قصيدة النثر العربية الى افق الاحتكاك بالآخر، الى المثاقفة والترجمة واعادة تشكيل المفاهيم النظرية في ضوء التجارب الشعرية الجديدة التي ارادت التخلص من ثقل الموروث وضغط عمود الشعر العربي، وعلى الرغم من مرور ما يزيد على ثلث قرن على ظهور التجارب الشعرية الأولى لقصيدة النثر العربية على صفحات مجلة " شعر" الا ان التأصيل النظري لهذا الشكل الشعري لا يزال ضعيفا بسبب عدم حسم الجدل حول شعرية قصيدة النثر وامكانية عدها شكلا من اشكال الكتابة الشعرية العربية مثلها مثل قصيدة التفعيلة التي استطاعت انتزاع اعتراف الذائقة الشعرية بعد ان حققت اعترافا نقديا بها. والحقيقة ان قصيدة النثر قد استطاعت خلال العقدين الاخيرين ان تنتزع الاعتراف النقدي بها لكنها لم تستطع اختراق حصن الذائقة الشعرية العربية التي مازالت تفصل فصلا تاما بين حقلي الشعر والنثر مستندة في فصلها هذا الى ضرورة وجود ايقاع وزني تستطيع الاذن التعرف عليه والتمتع بترديد صداه في الشعر واذا لحنا نعثر على كثير من قصائد التفعيلة في مناهج تدريس الادب في المدارس الثانوية ، وكذلك في مناهج تدريس الادب في الجامعات العربية ، فان قصيدة النثر لم تستطع حسب علمي ان تخترق قلعة التعليم الثانوي، وربما قلعة التعليم الجامعي في الكثير من الجامعات العربية . ويشير هذا الغياب الى عدم تحصيل اعتراف الذائقة السائدة وتواصل الشكوك حول امكانية انتساب قصيدة النثر الى عالم الابداع الشعري.

 

ان تخلص قصيدة النثر من شرط الوزن والموسيقى يقف حائلا دون استقبال الذائقة السائدة لهذا الشكل الشعري وتقبله كواحد من الروافد الجديدة في نهر الشعر العربي. ومع ذلك فقد استطاعت قصيدة النثر، بما انجزه جيل الحمسينات(1)  الشعر العربي وما انجزه شعراء جدد ظهروا في السبعينات والثمانينات ، ان تكون لنفسها مجموعات قرائية تتذوقها بصفتها شعرا مثلها مثل قصيدة التفعيلة والقصيدة العمودية . ولكن هذا الانجاز الذي استطاعت قصيدة النثر تحقيقه خلال العقدين الاخيرين لا يعني ان الجدل قد حسم على الصعيد النقدي لصالح التحاقها بكتاب الشعر العربي، ولا يعني ان الذائقة الشعرية السائدة سوف تتخلص من شكوكها قريبا وتعلن قبولها لهذا الشكل الشعري في مناهج دراسة الادب في الجامعة والمدارس الثانوية .

 

ولعلنا لهذا السبب نجد انفسنا مدفوعين الى التأكيد على مشروعية قصيدة النثر العربية من خلال القاء الضوء على النماذج المشرقة من هذه القصيدة لتوسيع دائرة قرائها، والتأثير على الرأي العام السائد بين طلبة الجامعات والمدارس الثانوية بان هذا اللون من الكتابة لا ينتمي ال حقل الكتابة الشعرية بل هو نثر فني بالاساس . ان منجز قصيدة النثر بحاجة الى تسليط ضوء النقد عليه لتقريبه من الذائقة الشعرية وتوسيع دائرة قرائه .

 

-1-

 

لكن قبل الخوض في القراءة النصية لبعض نماذج قصيدة النثر اريد ان اجمل بعض النقاش الذي دار حول قصيدة النثر منطلقا من اطروحة سوزان بيرنار في كتابها "قصيدة النثر من بودلير الى ايامنا"، الصادر عام 1959 والذي أثرت الافكار الواردة فيه تأثيرا عميقا على شعراء قصيدة النثر العربية .

 

ترى سوزان بيرنار ان "الشعر يرتبط بحكم اصوله بالموسيقى ومن ثم بفكرة الوزن . ولكن ايقاع الجملة وعلاقات النغمات بالمعاني، والقوة المثيرة للكلمات ، والحد الغامض للايحاء الذي يضاف لمحتواها الواضح المحض ، والصور انما هي مستقلة عن الشكل المنظوم شعرا(3) ويتركز مشروع بيرنار في استحداث مفهوم للشعر انطلاقا من نماذج قصيدة النثر الفرنسية نفسها. وما يهمنا في مشروع الناقدة الفرنسية هو ان ظروف الرفض التي مرت بها قصيدة النثر الاوروبية تتكرر في العربية استنادا الى مبدأ الضرورة الوزنية في الشعر. وهي تعلن في العبارة التي اقتبسناها اعلاه ارتباط الشعر بالموسيقى واهمال العناصر الاخرى التي تحقق الشعرية ، من ايقاع الجملة والقوة الايمائية للكلام والصور الشعرية ، لصالح النظم الشعري. ان ما كان يجعل الشعر شعرا هو الوزن والموسيقى الخارجية التي تميزها الاذن . وبسبب هذا التصور الضيق لمفهوم الشعرية اخذ الشعراء في اوروبا وامريكا يعيدون النظر في مبدأ الشعرية نفسه ، واصبح الشاعر  "يرفض وسائل الرقي الآلية جدا للشعر الموزون المقفى، ويطلب "مفاتن " اكثر دقة من الكلمات نفسها ومن التوافقات السرية بين المعنى والصوت ، وبين الفكرة والايقاع ، وبين التجربة الشعرية واللغة التي تترجمها". (ص :67) ونتيجة لبحث الشاعر عن مكونات أخرى للشعرية ولدت قصيدة النثر "من تمرد على قوانين علم العروض _واحيانا على القواعد المعتادة للغة"(ص : 20).

 

نتوصل مع سوزان بيرنار الى ان قصيدة النشر الاوروبية قد احدثت انشقاقا في مفهوم الشعرية . لقد تمردت على الوزن والقافية واعتمدت شروطا أخرى لتحقيق الشعرية . وتتمثل هذه الشروط الجديدة ، التي اراد الشاعر التعويض بها عن شرطي الوزن والقافية ، بالوحدة والمجانية والايجاز ( ص:23-ص24) وفي موضع آخر تجمل بيرنار هذا الشروط واصفة اياها هذه المرة بانها "كلية التأثير والمجانية والكثافة"  (س : 151). وتعني بيرنار بالوحدة "الوحدة العضوية". فمهما كانت " القصيدة معقدة وحرة في مظهرها فان عليها ان تكون وحدة واحدة ، وعالما مغلقا، خشية ان تفقد صفتها كقصيدة ". اما بالمجانية فتعني انه "ليس للقصيدة اية غاية بيانية او سردية خارج ذاتهاد" واذا استخدمت القصيدة "عناصر سردية وصفية ، فذلك بشرط تسميتها و"تشغيلها" في مجموع ولاغراض شعرية بحتة ". ان فكرة "اللازمنية " وعدم تطور القصيدة الى هدف بعينه وعدم عرضها سلسلة افعال او افكار، هي المحددات الرئيسية لشعرية قصيدة النثر من وجهة نظر

 

بيرنار.

 

ويضاف الى هذه الشروط شرط اساسي هو "الايجاز"، فقصيدة النثر، حسب الناقدة الفرنسية "يجب ان تتلاف الاستطراد في الوعظ الخلقي (…) كما عليها ان تتلافى التفصيلات التفسيرية ". ويمكن رد فكرة "كلية التأثير"، التي تضيفها بيرنار في موضع أخر من كتابها، الى اد غار الن بو الذي طالب في كلامه على الشعر والقصة القصيرة بوحدة الانطباع وكلية التأثير قائلا انه أدلا وجود للقصيدة الطويلة ، والمقصود بالقصيدة الطويلة هو تناقض حاد في المصطلحات ". اما الكثافة ، التي طالبت بها بيرنار شاعر قصيدة النثر، فانها تعني الايجاز والقدرة على الاشعاع ولا نهائية الايحاءات

 

(ص: 151).

 

لكن هذه الشروط التي توردها بيرنار معيارا لقصائد النثر تظل شروطا غامضة شديدة النسبية لا تمتلك صرامة المعايير الشكلية الكلاسيكية التي تربط مفهوم الشعر بالوزن والايقاع الموسيقي. ويمكن لبعض الانواع الادبية الاخرى ان تشارك قصيدة النثر في شروط الوحدة العضوية والايجاز واللازمنية (القصة القصيرة التي تقترب في بعض نماذجها من الشعر). ولعل نسبية الشروط التي وضعتها بيرنار هو الذي يدفعها الى الحديث عن الارادة الفوضوية الكامنة في اصل قصيدة النثر مما يفسر ،اتعدد اشكالها"، ويفسر "الصعوبة التي يواجهها المرء في تحديد هويتها ومعالمها".

 

(ص :17) ثمة قوتان متعاكستان تشدان قصيدة النثر "ميل الى الانتظام ، الى الكمال الشكلي ، وميل الى الحرية والتشوش الفوضوي ايضا". (ص : 79) وتوضيحا للفكرة الجوهرية الاخيرة تقول بيرنار ان "الشروط العضوية لقصيدة النثر مضاعفة : فهي الشكل الشعري لفوضوية محررة في صراع مع القيود الشكلية – وكذلك نتيجة لارادة تنظيم فني يسمح لها ان تتخذ شكلا وتصبح كائنا موضوعا فنيا".(279)

 

تمدنا سوزان بيرنار من ثم بالمهاد النظري الذي استندت اليه قصيدة النثر الاوروبية ، والامريكية ، وهي ايضا تمدنا بالفكر النظري الذي ارتكز اليه شاعر قصيدة النثر العربية في نهاية الخمسينات والستينات . ونحن نعثر في تنظيرات ادونيس وانسي الحاج في مجلة "شعر" على افكار سوزان

 

بيرنار معادة الصياغة في مواضع كثيرة من كتابات ادونيس النظرية حول الشعر وقصيدة النثر، وكذلك في مقدمة انسي الحاج ، او بيانه النظري لمجموعته الشعرية "لن " التي مثلت بحسب أدونيس وقوفا مع اللحظة الحرجة والحاسمه (3) ، يتساءل أنسي الحاج في مقدمة "لن "، عن المفارقة التي تولدها تسمية قصيدة النثر بافتراض ان الشعر والنثر نقيضان قائلا: "هل يمكن ان يخرج من النثر قصيدة ؟ (…) طبيعة النثر مرسلة ، واهدافه اخبارية او برهانية . انه ذو هدف زمني، وطبيعة القصيدة شيء ضد. القصيدة عالم مغلق ، مكتف بنفسه ، ذو وحدة كلية التأثير، ولا غاية زمنية للقصيدة ، النثر سرد، والشعر توتر، والقصيدة اقتصاد في جميع وسائل التعبير. النثر يتوجه الى شي ء، يخاطب وكل سلاح خطابي قابل له ، النثر يقيم علاقته بالآخر على جسور من المباشرة ، والتوسع ، والاستطراد، والشرح ، والدوران ، والاجتهاد الواعي – بمعناه العريض – ويلجأ الى كل وسيلة في الكتابة للاقناع . الشعر يترك هذه المشاغل : الوعظ والاخبار والحجة والبرهان ، ليسبق(4).

 

بهذا التصور الرؤيوي لـ"قصيدة النثر" يحدد انسي الحاج الاساس الذي يميز قصيدة النثر عن النثر المكتوب لغايات الاقناع والبرهان والاخبار عاملا على تقديم تمييز يصلح للتفريق بين الانواع الشعرية والانواع النثرية بعامة دون ان يشير الى الاساس اللغوي للتمييز بين النثر والشعر. لكنه يتسا؟ل في موضع آخر من مقدمته : "هل من المعقول ان نبني على النثر قصيدة ولا نستخدم ادوات النثر؟ الجواب ان قصيدة النثر قد تلجأ الى ادوات النثر من سرد واستطراد ووصف ولكن ، كما تقول سوزان بيرنار، "شرط ان ترفع منها وتجعلها "تعمل " في مجموع ولغايات شعرية ليس الا" وهذا يعني ان السرد والوصف يفقدان في قصيدة النثر غايتهما الزمنية ."(ص : 19) ان تنظير انسي الحاج لقصيدة النثر يظل رؤيوي الطابع قائما على حدس الميزات التي تفرق هذا الشكل الشعري عن غيره ، وهو يقول :"في كل قصيدة نثر تلتقي دفعة فوضوية هدامة ، وقوة تنظيم هندسي ". (ص :17)، ومن "الجمع بين الفوضوية لجهة ، والتنظيم الفني لجهة أخرى ،هن الوحدة بين النقيضين تنفجر ديناميكية قصيدة النثر الخاصة ". (ص : 20) لكن ما هي هذه الدفعة الفوضوية الهدامة ، واية قوة تنظيم هندسي يقصد، وعلى اي اساس يقيم الشاعر تصوراته ؟

 

من الواضح عبر مقابلة الافكار الواردة في مقدمة " لن " بالافكار الواردة في كتاب سوزان بيرنار "قصيدة النثر من بودلير الى ايامنا" ان انسي يترجم عبارات الناقدة الفرنسية او يعيد صياغتها للتعبير عن رؤيته لمفهوم قصيدة النثر. لا جديد في كلام انسي الحاج عن الاسس النظرية لمفهوم قصيدة النثر سوى الشحنة الحماسية والرغبة في الهدم واعادة بناء مفهوم الشعر والقصيدة في نظرية الانواع الادبية العربية . وعلينا ان نشير هنا الى ان حماسة انسي ورغبته العارمة في كتابة قصيدة جديدة لا تتوافق مع منجزه الشعري. انه يكتب قصائد متمردة تتخلص من الايقاع الوزني، وتخرب قواعد اللغة وتطعم الفصحى بالعامية وتنتهك المواضعات الاخلاقية السائدة ، ولكنها سواء في " لن " او في "الرأس المقطوع " ما استطاعت ان تنجز نصا شعريا كبيرا كما فعل ادونيس مثلا. وما يعد انجازا في شعر انسي الحاج تحقق بعد ذلك بسنوات في مجموعتيه الشعريتين التاليتين : "الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع" و" ماذا فعلت بالذهب ، ماذا صنعت بالوردة " اللتين ترجعان صدى "نشيد الانشاد" واللغة الانجيلية بعامة .

 

من رؤية انسي الحدسية نفسها ينطلق ادونيس . وهو في "مقدمة للشعر العربي"، ينفى شرط الوزن عن القصيدة عادا اياه تحديدا خارجيا سطحيا قائلا: ان "طريقة استخدام اللفة مقياس اساسي مباشر في التمييز بين الشعر والنثر. فحيث نحيد باللفة عن طريقتها العادية في التعبيرو الدلالة ، ونضيف الى طاقتها خصائص الاثارة والمفاجأة والدهشة ، يكون ما نكتبه شعرا . والصورة من اهم العناصر في هذا المقياس ، فاينما ظهرت الصورة تظهر معها حالة جديدة وغير عادية من استخدام اللغة ". (ص :112_ 113) لكن ادونيس ، رغم الاساس الاستعمال للغة الذي يستند اليه للتمييز بين الشعر والنثر يعود بين حين وآخر لتقديم تصورات رؤيوية حول قصيدة النثر. فهو يقول ان "في قصيدة النثر (…) موسيقى. لكنها ليست موسيقى الخضوع للايقاعات القديمة . بل هي موسيقى الاستجابة لايقاع تجاربنا وحياتنا الجديدة _ وهو ايقاع يتجدد كل لحظة ."

 

 

المصدر : مجلة نزوى

 

اعجبنى المقال
   
  مواضيع ذات صلة
 
دمج تقنية المعلومات والاتصالات في تعليم اللغة العربية
اللغة العربية في عصر العولمة
المدخل التقني في تعليم اللغة العربية
معايير توظيف التقنية في تعليم اللغة العربية وتعلمها
دمج التقنية في تعليم اللغة العربية : ضرورة أم ترف
علاقة اللغة العربية بتقنية المعلومات
 
 
شاركنا تابعنا للتواصل

   
art@arabletters.com
info@arabletters.com