مشاركة ملف الصفحة الرئيسية البحث تابعنا
الترجمة العلمية أهمية الترجمة في حياتنا أدوات ترجمة النصوص ماهية الترجمة وأهميتها من هو مترجم النصوص؟ أنواع النصوص سمات المترجم الجيد
 
كاتب المقال

كتب : المترجم العربي
الوظيفة : ناشر
شاركنا المقال  
الذات الشاعرة في شعر الحداثة العربية
10/8/2017 : مشاهدات 14 : اعجابات

تطمح هذه الدراسة الى اكتشاف طبيعة العلاقة بين الخاص والعام، الداخل والخارج، الذاتي والموضوعي، الضروري، والحر، تجربة الحياة وتجربة الشعر، ذات الشاعر وذات الشعر، في شعر الحداثة العربية، وذلك بهدف الوقوف على مدى تفاعلهما في إنتاجية نص الحداثة الشعري، واسهام كل منهما في تشكيل هويته الشعرية، ومن ثم الوقوف على مدى توافر نص الحداثة الشعري على أهم مقومات إنتاجه مجتمعيا وتاريخيا، أي على أهم شروط إبداعه وشروط قراءته.

 

ولكن لماذا من خلال هذه العلاقة بالذات ؟! ثم لماذا من زاوية الذات الشاعرة الحداثية وليس من زاوية ذات الشاعر الحداثي؟!

 

أما لماذا من خلال هذه العلاقة بالذات، فلكون هذه العلاقة – علاقة الذات الشاعرة الحداثية بذات الشاعر الحداثي – قد صارت تمثل، في منظور الشعر الحداثي ذاته، بؤرة ولادة الوجود والعالم على السواء، فهي تمثل:

 

* بؤرة ولادة الشاعر الحداثي الذي غدا موجودا لا وجود له إلا في التجربة، وغدا وجوده في التجربة، من ثم، نوعا من الحوار والحوار الأعمق بين ذاته، وذات الآخر أو بين أناه الشخصية وأناه الأخرى المعممة أو الاجتماعية، وهو حوار من شأنه أنه بين المختلفات والنقائض التي يتألف منها الوجود الانساني: فالحرية التي هي أساس الوجود الانساني بل ماهية الوجود الانساني، لا تظهر في التجربة، إلا من خلال نقيضها وهو الضرورة والنقيضان: الحرية والضرورة هما قمة النقائض التي يتألف منها وجود الموجود الشاعر الحداثي وعالم وجوده الشعري. لذلك كانت هذه العلاقة:

 

* بؤرة ولادة عالم الحداثة الشعري، بوصفه مزيجا من الداخل والخارج الخاص والعام، الذاتي والموضوعي، الوعي واللاوعي، المرئي واللامرئي، الحسي والمجرد، الواقعي والشعري.

 

* وبؤرة ولادة نص الحداثة الشعري، الذي ما عاد ميلاده يتضمن قطبا كهربائيا واحدا مفروزا في أعماق الذات – كما يقول مكليش – بل أصبح يتضمن قطبين متصارعين هما: الذات والعالم أو الواقع، فالنص الحداثي إذن لا يبدأ في العزلة أو الفراغ، بل في نطاق من العلاقات، فهنا الشاعر وهناك الواقع أو العالم بتعارض مفرداته وتعقد علاقاته، وبدلا من الرمز الذي ينبثق-

 

حسب قول مكليش أيضا – كما تنبثق فينوس من البحر بقوة حركتها التلقائية – نجد هنا صورة أو قصيدة تتحقق في المدى الذي ننظر اليه جميعا؟ المدى ما بين أنفسنا من جهة والعالم الذي نعيشه ونتفاعل معه من جهة ثانية. كما نجد – بدلا من المترقب المنتظر اليقظ الذي يجثم مطرقا فوق صمته الذاتي – نجد الانسان المتوتر الذي يتخذ لنفسه وضعا تاريخيا على محور التحولات التاريخية الذي يمثل – بالنسبة لشاعر الحداثة – بؤرة لوعيه التاريخي، ومركزا للتفاعل والمواجهة مع أحداث التاريخ ومآسيه. الأمر الذي جعل من القصيدة الحداثية تجسيدا حيا مباشرا لذلك الوعي ولهذا التوتر والصراع.

 

* فضلا عن شون هذه العلاقة قد صارت تمثل بؤرة توتر دلالات نص الحداثة وتفجر شعريته.

 

ولذلك فنحن بكشفنا عن طبيعة هذه العلاقة / البؤرة، نكون قد أسهمنا في الكشف عن طبيعة التجربة الحداثية بوصفها:

 

* تجربة اندماج كلي بالعالم، لا تجربة وصف لعالم.

 

* وتجربة فعل في العالم، لا تجربة انفعال بعالم.

 

* تجربة تفجير وتغيير للعالم، لا تجربة محاكاة أو تعبير عن العالم.

 

* وتجربة كشف عن وجود، لا تجربة وصف لموجود.

 

* تجربة تجاوز وصيرورة، لا تجربة جمود واستقرار. في تجربة خلق باللغة لا تجربة تعبير باللغة.

 

وأما لماذا هذه العلاقة من زاوية الذات الشاعرة الحداثية وليس من زاوية ذات الشاعر الحداثي من زاوية الوجود الشعري، وليس من زاوية الموجود الشاعر، فلكون الذات الشاعرة الأولى، هي الذات الحاضرة في التجربة والفاعلة فيها، ولذلك فهي التي يمكن إخضاعها للنظر والتحليل فضلا عن كون هذه الذات الشاعرة، إنما تمثل في حقيقة الأمر، ذات الشاعر الحداثي، وقد دخل هذا الأخير في تجربة مباشرة مع إمكانات وجوده شعريا، ومن ثم مع إمكانات التحول الشعري، وعندما يدخل الشاعر الحداثي في تجربة مباشرة مع إمكانات الوجود، أو التحول الشعري، فذلك يعني أنه قد صار في جدل مع العالم في كليته، وأنه، من ثم قد أخذ يتحول في العالم بمقدار ما يحول العالم، يتغير فيه بمقدار ما يغير في نظامه ونظام العلاقة بين أشيائه، الأمر الذي جعلنا ننظر الى هذه الذات الشاعرة على أنها:

 

* ذات جدلية أو كلية مفتوحة أي مركبة من الداخل والخارج، أو من ذات الشاعر وذات الشعر في انفتاحهما بعضهما على بعض، وجدلهما بعضهما مع بعض، والى القول الشعري الحداثي على أنه من ثم، قول مركب لما يكونه وضع هذه الذات المركب في سياق القول، واذا صار من حقنا النظر الى القول الشعري الحداثي على أنه قول مركب لما يكونه وضع قائله المركب في سياق القول ذاته صار من حقنا، انطلاقا من ذلك – تناول بنية القول الشعري الحداثي، انطلاقا من بنية القائل الشاعر حين يقول، ومن ثم، التعرف الى هوية نص الوجود انطلاقا من بنية الوجود التي يجسد، أي من خلال بنية الأنا كعلاقة توتر جدلية بين من يقول في التجربة وما يقول في التجربة ومن يقول وامكانية القول (أي بين أنا القائل وعالم القول أو الرؤيا من جهة، وأنا القائل وامكانات القول أو الرؤيا إمكانات اللغة -الإبداع من جهة ثانية) الأمر الذي جعلنا ننظر الى هذه الذات القائلة أو الرؤياوية، من زاوية علاقتها بما تقول، أو بعالم القول أولا، ثم من زاوية علاقتها بإمكانات القول (اللغة -الإبداع) ثانيا، ونظرا لتفاوت العلاقة بين هذه الذات القائلة وما تقول (تبعا لتفاوت عالم القول ذاته)، وهذه الذات وامكانات القول في شعر الحداثة العربية، فقد رأينا تقسيم شعراء الحداثة الذين تناولتهم هذه الدراسة الى تيارين: تيار الذات المنفصمة عن العالم الواقعي أو التاريخي، وتيار الذات المنفتحة على العالم الواقعي أو التاريخي وقد تناولنا في إطار التيار الأول ثلاثة شعراء هم: أدونيس (من سورية) ويوسف الخال (من لبنان) وقاسم حداد (من البحرين). في حين تناولنا من شعراء التيار الثاني خمسة شعراء هم: السياب (من العراق) وصلاح عبدالصبور وأمل دنقل (من مصر) ومحمود درويش (من فلسطين) وعبدالعزيز المقالح (من اليمن).

 

غير أن ما تناولناه من إنتاج هؤلاء الشعراء جميعا قد بقي محصورا في نطاق ذلك الانتاج الذي تتمثل فيه هذه البنية – الجدل، أو الذي سعى هؤلاء الشعراء خلاله على الأقل – الى تمثل هذه البنية – الجدل، ولذلك فقد استبعدنا من مجال الدراسة، ذلك الائتاج الذي تغيب عنه هذه البنية، أو الذي لم يخضع فيه هؤلاء الشعراء لشروط الانتاج الحداثي القائم على انتاج هذه البنية ومن ذلك إنتاج أدونيس في ديوانيه "قصائد أولى" و "أوراق في الريح" وانتاج "يوسف الخال" في ديوانيه "الحرية" و"هيروديا" ومن إنتاج قاسم حداد، كل إنتاجه عدا ديوانيه: "القيامة " و" يمشي مخفورا بالوعول" ومن إنتاج السياب ديوانه الأول "أزهار وأساطير" ومن إنتاج المقالح ديوانيه: "لابد من صنعاء" و" رسائل الى سيف بن زي يرن " ومن إنتاج أمل أنقل ديوانه الأول "مقتل القمر" ومن إنتاج درويش "أوراق الزيتون" وقيما عدا ذلك من إنتاج هؤلاء الشعراء جميعا بمن فيهم صلاح عبدالصبور، فقد بقي مجالا للدراسة والتحليل، أو مجالا للنظر والتدقيق.

 

وقد انطلقنا في بحثنا عن الذات في هذا الانتاج (أو في هذه النصوص) من ثلاثة أسئلة رئيسية هي:

 

1- ماذا تقول هذه الذات في التجربة متضمنا كيف تقول ؟

 

2- لماذا تقول هذه الذات في التجربة هذا (العالم) الذي تقول دون غيره مما لم تقل، متضمنا سؤال الوظيفة التي يحققها القول،وسؤال الخلفية الأيديولوجية والتاريخية أو الواقعية التي ينبثق عنها أو يجسدها القول ؟

 

3- كيف تقول الذات العالم الذي تقول متضمنا: ما الزاوية التي تنظر منها الذات الى العالم ؟ وكيف تنظر الذات من تلك الزاوية الى العالم ؟!

 

وقد حاولنا الاجابة عن أسئلة الدراسة في الشطر المتعلق بوظيفة القول الشعري الحداثي. والشطر المتعلق بخلفية القول: الفكرية والتاريخية وفي محاولة الاجابة عن السؤال المتعلق بفنية القول أو بابداعية الرؤيا.

 

على أننا في محاولتنا الاجابة عن هذه الأسئلة قد التزمنا منهجا في النظر الى هذه الذات أو في الكشف عن هويتها يمكن وصفه بأنه ينهض على التأويل وعلى التفسير في آن معا:

 

على التأويل لأنه يلح على وضع الذات التآيني أو التزامني في سياق معاناة القول ذاته (أي في لحظة القول الواهنة) وعلى التفسير، لأنه يتجاوز وضع الذات، التآيني أو التزامني في سياق معاناة القول الى وضع الذات الزماني أو اللاتزامني خارج سياق القول، أي في خلفية القول، أو في سياق المعاناة الواقعية أو المرجعية، ليكتشف وضع الذات التآيني انطلاقا من هذا السياق، أو ليبحث عن تفسير لوضع الذات التزامني في هذا السياق، بمعنى أنه قد ظل ينظر الى الذات من زاويتين مختلفتين: من زاوية وضعها الذي تعاني الآن – هنا،ومن زاوية وضعها الذي عانت قبل الآن – هناك، ومن ثم، من زاوية وضعها في زمن التكلم، ومن زاوية وضعها في زمن الصمت، للنظر في طبيعة العلاقة بين وضعها في زمن الصمت ووضعها في زمن التكلم من جهة، وفي طبيعة الخلفية التي أفضت الى تلك العلاقة، من جهة ثانية.

 

وهذا يعني أننا قد حاولنا – بمقتضى هذا المنهج – الانفتاح على الذات من أفق تفتح الذات، والحوار معها من أفق حوارها مع العالم – واكتشافها من أفق تكشفها في العالم. بمعنى أننا قد صرنا ندرك الذات بوصفها منتجا للنص وناتجا عنه، أو قائلا له ومقولا فيه – ومن ثم، بوصفها انبناء لا بنية، وتشكلا لا شكلا، وتخلقا لا خلقة.

 

ولذلك في غرر إن تميزت لغتنا في البحث بأنها الى لغة الحوار مع الذوات الشاعرة في شعر الحداثة أقرب منها الى لغة التواصل مع متلقي خطاب الحداثة، وتميز موقفنا النقدي في تناولنا لخطاب الذات بالانحياز لمحمول هذا الخطاب أكثر من انحيازنا لشكل الخطاب، وبالانحياز لبعض الذوات الفاعلة والمؤثرة في هذا الخطاب أكثر من انحيازنا لبعض الذوات السلبية أو غير الفاعلة في خطاب الحداثة.

 

وقد توصلنا خلال دراستنا عن الذات الشاعرة في شعر الحداثة العربية الى عدد من النتائج الخطيرة التي كان من أهمها – كما لاحظنا – تخلي الذات المنسحبة من الواقع المنفصمة عن الواقع الاجتماعي أو التاريخي:

 

* عن إمكانية الانفتاح على العالم في كليته وانفتاحه، أي على الداخل والخارج معا في سياق تحولهما وصيرورتهما معا، ووقوعها بدلا عن ذلك، ضحية الانغلاق على العالم في جزئيته وانغلاقه، أي على الداخل فقط، في محدوديته وثباته. فالذات الشاعرة في سياق هذه التجربة، ما عادت كالذات الشاعرة في سياق التجربة الأولى: في موقع من ينفتح على كلية وضعه: في الواقع ونقيضه، أو في الواقع وما يعل عليه، أي في عالم الضرورة وفي عالم الامكان، أو في المرئي واللامرئي أو المجرد والحسي، وفي الواقع ونقيضه المتحولين أو الديناميين، أي في المرئي واللامرئي أو في المجرد الحسي في انفتاحهما وجدلهما، أو في تحولهما وصيرورتهما. بل صارت في موقع من ينفتح على جزئية وضعه في نقيض الواقع فقط أو فيما يعلى على الواقع فقط، أي في عالم الفكر والثقافة، أو في لا مرئيات الفكر والثقافة ولذلك فهي ما عادت في موقع من يواجه وضع كينونته المفتوح في الخارج (أي في عالم الضرورة أو المعاناة الواقعي) بإمكانات الكينونة في الداخل أو بإمكانات الانفتاح عليه من الداخل. من ينفي (نفيا جدليا) ضرورة وضعا الجمعي في الواقع، بإمكانات وضعه الفردي في الممكن، من يستبدل بوضعه في الضرورة وضعا له في الحرية، ليتجاوز وضع ضرورته المحدد، بإمكانية حريته المحددة. بل صارت في موقع من ينكفيء على الداخل من الخارج (أي من موقع الرؤية الجاهزة للداخل) من ينفتح على إمكانات الذات، من أفق الذاتية أو الفردانية. من تتطابق ذاته المذوتة أو المفردنة (أي المؤدلجة بأيديولوجيا الذاتية أو الفردانية، أو المحكومة بمنطق الرؤية الجاهزة للذاتية أو للفردانية) مع إمكانات الفكر الفرداني الحداثي، أو الذاتوي الرومانسي. من يعكس وضع ذاته المذوت أو المفردن في مرآة اللغة الصافية حينا وفي مرآة الفكر الفرداني أو الذاتوي عبر امكانات اللغة حينا آخر. وهذا يعني أن هذه الذات قد صارت، خلافا للذات الشاعرة الأولى في موقع من يهدم الهدم أو يبني البناء، من يهدم وضع كينونته المحدد في عالم الامكان الفكري أو الايديولوجي، ليبني وضع كينونته المحدد في عالم الامكان ذاته وعبر إمكانات البناء ذاتها. من ينفي وضع كينونته في عالم الامكان بحركة نفي أخرى في عالم الامكان ذاته وعبر امكانات الحركة ذاتها – لا في موقع من يهدم البناء ليبني، من يهدم ما هو موجود في الخارج (أي في الواقع أي في الوعي) بما يوجد في الداخل (أي الآن – هنا في التجربة) وما هو زماني بما يتزامن، (أو بالمتزامن) ليبني بما يتزامن أو بما يوجد، ما لم يوجد ولن يوجد. يعني أنها أي الذات المنسحبة قد صارت في موقع من يبني اللاواقعي أو الخيالي على أرضيته هو نفسه، ومن انقاضه هو نفسه، لا في موقع من يبني اللاواقعي أو الخيالي على أرضية الواقعي ومن أنقاض الواقعي نفسه.

 

المصدر : مجلة نزوى

 

اعجبنى المقال
   
  مواضيع ذات صلة
 
نحو عربي
أنواع الضمائر
تقرير عن لهجات العرب الفصحى
ما تركته اللغة العربية للعالم
دمج تقنية المعلومات والاتصالات في تعليم اللغة العربية
اللغة العربية في عصر العولمة
 
 
شاركنا تابعنا للتواصل

   
art@arabletters.com
info@arabletters.com