مشاركة ملف الصفحة الرئيسية البحث تابعنا
الترجمة في إطار الثقافة الإنسانية وتعميق الحوار بين الثقافات حركة الترجمة في الحضارة الإسلامية دور الترجمة في توسيع أثر النصوص المتخصصة الترجمة ودورها الحضاري المؤسس أثر الترجمة على الثقافة عن أهمية دور الترجمة في نقل المعرفة حركة الترجمة، وحاصلُ القسمة بين الثقافة المهيمنة والثقافة "الخاضعة"
 
كاتب المقال

كتب : المترجم العربي
الوظيفة : ناشر
شاركنا المقال  
الشعر وتحرير الكائن قراءة في اللغة والمتخيل
10/8/2017 : مشاهدات 7 : اعجابات

إن الناظر في المشهد الشعري العربية ليوم يدرك أن الكتابة الشعرية المعاصرة ليست حركة خطية مبنية على تراكم التحولات والمنجزات، بل هي مسار مليء بالفجوات والانكسارات، بالتصدعات والانقطاعات بالتردد وبالمراجعة. والثابت أن هذه التصدعات والانقطاعات ميالتي جعلت المدرسات الشعرية تنهض، منذ حركة التحديث الرومانسي، محملة بمأزقها وميالتي جعلت المراجعة تصل لدى بعض النقاد الى حد التنبؤ بموت الشعر واندحاره وتلاشيه وتعلن عن نفسها لدى شعراء الحداثة أنفسهم في شكل تبرؤ من راهن الشعر ومن مستقبله أيضا، فيذهب كل من سعدي يوسف ومحمود درويش وأدونيس مثلا الى أن الشعر العربي قد وضع في حضرة مستحيلة .

 

غير أن الحديث عن مأزق الشعر وتفخيمها على هذا النحو إنما يتم ويأخذ حجمه ومداه دون وعي بأن النص الابداعي لا ينهض الا محملا بمارقه، لأن مأزقه إنما تمثل جزءا عضويا من أمرار فنه وا بداعيته وفرادته. ذلك أنها تتعايش في صميمه مع نقيضها أي مع الاجابات والأسئلة التي ينهض ليطرحها من خلال لغته ورموزه، ومن خلال المتخيل الذي يصدر عفه والقيم الجمالية التي يكرسها.

 

والثابت أيضا أن مسارا لتحولات التي شهدها الشعر العربي خلال هذا القرن هو الذي ولد نوعا من التشظية طالت مفهوم الشعر نفسه، وأربكت الخطاب النقدي، وأدت الى بروز خطابات نقدية ايديولوجية حرص أصحابها على الانتصار لنمط من الكتابة ( قصيدة النثر/قصيدة التفعيلة /القصيدة العمودية ) وإلغاء غيره عن طريق السكوت عنه أو بواسطة تحقير منجزه أو بالالحاح على أنه مجرد بدعة وضلالة وترف، هذه ما ترمي به قصيدة النثر مثلا من قبل خصوصها -دون أن يقع التفطن الى أن قصيدة التفعيلة قد افتتحت هيا لأخرى هجراها في وسط ثقافي مشبع بالسجالات التي وصلت أحيانا الى حد اعتبار "الشعر الجديد مؤامرة تحاك في الظلام ضد العروبة والاسلام ".

 

لكن هذا الطابع الأيديولوجي كثيرا ما يمعن في التخفي والزيغ والمواربة، فيوهم الخطاب النقدي بأنه ينشد الاجابة بأسئلة الشعر فيما هو يمعن في بعثرتها وتشظيتها إذ يصبح مدار السؤال : الشعر الخليجي /الشعرالتونسي/ الشعر السوري أو المغربي أو المصري.. الخ وبذلك تتم عملية حجب لعلاقة التحاور والاغتذاء التي ما فتنت تحصل بين التجارب والنصوص.

 

بإيجاز ثمة خطابات نقدية إقليمية شرعت تتصدر المشهد النقدي. وهي خطابات يعمد أصحابها الى تفخيم نصوص محلية وتمجيدها واعلائها والتكتم على لحظات وهنها دون أن يقع التفطن الى ما في كل ذلك من تحايل ومغالطة وانتصار للذات العاجزة ليس له ما يسنده أو يب”ه. والحال أن لا معنى لأي نص إبداعي، ولا معنى للأسئلة التي يثيرها حضوره إلا داخل مسار التحولات التي ما فتنت الكتابة المعاصرة تنجزها وتحياها مشرقا ومغربا. فالنص يحيا داخل نصوص يتحاور معها، سواء كانت تلك النصوص متزامنة معه أو سابقة عليه. وفرادته وابداعيته، مثل تقليديته واتباعيته، لا يمكن أن تنكشف إلا بقراءته داخل سيرورة الابداع مطلقا.

 

والناظر في النقد العربي المعاصر وفي كيفيات صياغته لأسئلته وابتنائه لأطروحاته ومنجزاته، سرعان ما يلاحظ أن هذا التوجه الايديولوجي قد وسم الخطاب النقدي بنوع من الهشاشة جعلته يعجز عن تجديد أسئلته. لذلك يكفي أن نفير زاوية النظر الى النتاج الابداعي. ونفير الأسئلة المكرورة، والأسئلة المستعادة تلك الأسئلة التي ما فتي، خطاب الحداثة يقارب في ضوئها الذات والواقع والنص، الأسئلة التي تستند الى تصورات بلاغية بائدة أو الى تصورات ألسنية أو أسلوبية منتزعة من منابتها قهرا – يكفي أن تغير السؤال – وسينكشف لنا أن كبيس النتاج الابداعي العربي منجزات الأبحاث الغربية الحديثة أو مق”ات النظرية البلاغية القديمة إنما يمثل نوعا من التحايل على أسئلة الراهن الثقافي.

 

إن الحديث عن الانزياح مثلا، عن محور التوزيع ومحور الاختيار، عن الاستعارات البعيدة والقريبة والمتوسطة (لم لا!!) عن التورية والكناية والمحسنات، عن السريالية والرومانسية والواقعية السحرية، ليس سوى اصرار على المضي بالمغالطة الى منتهاها وبالتحايل الى أقصده. لأن تلك المفاهيم التي يقع الاكتفاء بها لحظة انجاز حدث القراءة، تلك المفاهيم كما هي متداولة عندنا، إنما تحجب من النصوص أكثر مما تكشف. بل إنها كثيرا ما تسهم في حجب أسئلة الراهن الثقافي، وتوقع مروجيها والمكتفين بها في انتاج خطاب متعالم، سجين مسبقاته، وسجين مق”اته، وسجين تحايلاته على الواقع والنص واللحظة التاريخية.

 

لذلك يظل الحديث عن الحرية والاختلاف، عن الابداع والمغايرة وتحرير الكائن مجرد شعارات يتستر بها الخطاب النقدي على هشاشته واتباعيته. ولذلك أيضا يظل الكلام في المتخيل يشغل من راهننا النقدي والفكري منطقة اللامفكر فيه والمسكوت عنه. والحال انه يضطلع بدور القانون الذي

 

عليه جريان الابداع في ثقافتنا قديما وحديثا. وعليه جريان أغلب القيم والسلوكات التي كون علاقة الانسان بمنوه وعلاقته باللغة وطرائق مقامه تحت الشمس.

 

 أنى لمن لا يجدد سؤاله أن يجدد مصيره

 

والحال أن تحرير الذات الكاتبة ودفعها على درب التأسيس الفعلي لا يمكن أن يتم إلا بتحرير ذاكرتها المحجوزة واستكشاف متخيلها الذي ظل هو الآخر مصادرا مغيبا ماثلا هناك بعيدا في منطقة اللامفكر فيه.

 

من هنا ندرك أن قراءة النتاج الشعري في الخليج من جهة كيفيات ابتنائه للغته وتشكيله لصوره ورموزه وايقاعه وكيفيات انفتاح تلك اللغة على الموروث الشعبي أو التراثي أو الأسطوري يمكن أن تضطلع بدور هام في استكشاف المنجز الجمالي لذلك الشعر. فثمة أجيال شعرية متعاقبة حرمت التقصي اللازم لجماليات منجزات نصوصها. لكن القراءة ستظل، في هذه الحال، مجرد قراءة مدرسية تسند الى النقد دورا جزئيا طفيليا وتعده مجرد تمييز لجيد الأدب من رديئه " مجرد تفسير وتقييم للنص المقروء. ومن المحتمل أيضا أن تتردى القراءة فيما نهضت لتتخطاه فتحجب الاضافات الممكنة أو الاضافات المحتملة المتوارية في صميم النصوص المدروسة. اي تلك الاضافات التي لا يمكن أن تنكشف للدارس إلا متى تمكن من تغيير زاوية النظر التي جرت العادة بانتهاجها في الخطاب النقدي السائد، لاسيما النقد الذي تناول تجارب الشعراء الذين يتصدرون المشهد الشعري العربي من أمثال (أدونيس ودرويش وسعدي والسياب ). وبذلك تقع في أعتى مأزقها : إنها ستكف، وقتها، عن كونها استكشافا لمجهول هو النص الشعري المدروس. وتصبح عبارة عن محو للمكونات التي بها يتغاير مع غيره من التجارب، ولقاء للمكونات التي تجعل من التجربة الفردية لحظة في مسار التحولات التي ما فتي، الشعر العربي ينجزها ويشهدها في رحلة بحثه عما يجعل من الكتابة حدث وجود لا فعل انشاء وصنعة وتجويدا للكلام.

 

لهذا الاختيار مب”اته إذن. وهي كامنة في صميم نص "هذيان الجبال والسحرة " لسيف الرحبي , ونص "أخبار مجنون ليلى " لقاسم حداد . ثمة وشائج كثيرة متسترة تربط بين النصين. ثمة حشد من المكونات التي عليها جريان الكتابة في النصين هي التي تجعل من الشعر نداء الحرية. وتجعل من الكتابة فعل تحرير لا يظل مصادرا مغيبا من الذات والواقع والنص وحدث استكشاف لمتخيلنا المحجوز واستدعاء للمنسي في ذاكرتنا المليئة بالانقطاعات والتصدعات. لكن فعل التحرير هذا لا يتجلى فيما تقوله الكتابة فحسب، بل فيما تتكتم عليه أيضا، ولا يتراءى فيما يعلن عنه الشعر فقط، بل فيما يتستر عليه أيضا. وهذا الذي تتكتم عليه الكتابة ولا يخبر عنه الشعر لا يمكن للقراءة الوظيفية الايديولوجية أن تطاله. ولا يمكن للقراءة المتعالمة التي تستقدم المفاهيم وتقتطع من التصورات الحديثة ما تيسر انتزاعه وخلعه من منابته، أن تحيط به لأنه يرد مندسا في بنية النص عالقا بطرائق تشكل الكتابة وكيفيات تعاملها مع الواقع والتاريخ. ثمة نوع من التماهي بين كتابة الشعر وكتابة السيرة كما سنبين لاحقا بالتفصيل. لكن السيرة سرعان ما تكف عن كونها كتابة لسيرة فردية ذاتية وتصبح كتابة لسيرة ثقافة بأسرها، واستكشافا لما تحتوي عليه من قيم تخص علاقة الذات بتراثها وبالمطلق وبالمقدس. وتخص علاقة الانسان بنفسه من جهة كونه لحظة التلاقي العظيم بين المقدس والأرضي، بين المطلق الذي أوله الانسان وأخره الانسان، والهشاشة التي بالانسان تبدأ ومنها يصنع، تحت الشمس، قدره ومصيره واختياره.

 

بايجاز : إن الشعر، في هذين النصين، يفتتح هجراه مسكونا بهاجس محو العلاقة المعطلة بين النصوص والأزمنة في الثقافة العربية للوقوع على سر قوة تلك النصوص والاغتذاء به والتنامي ابتداء منه. إن الشعر لا يلفي قديمه بل يغتذي به. ولا يتملص من ذاكر ته بل يستكشفها. ولا يتخطى اللحظة التايخية بل يعتلي ء بصخبها وفيه _في رحابه _ تتعايش الأزمنة جميعها وينكشف بعض ما ظل من متخيلنا مصادرا مغيبا محجوزا.

 

 

المصدر :مجلة نزوي

 

اعجبنى المقال
   
  مواضيع ذات صلة
 
دمج تقنية المعلومات والاتصالات في تعليم اللغة العربية
اللغة العربية في عصر العولمة
المدخل التقني في تعليم اللغة العربية
معايير توظيف التقنية في تعليم اللغة العربية وتعلمها
دمج التقنية في تعليم اللغة العربية : ضرورة أم ترف
علاقة اللغة العربية بتقنية المعلومات
 
 
شاركنا تابعنا للتواصل

   
art@arabletters.com
info@arabletters.com