مشاركة ملف الصفحة الرئيسية البحث تابعنا
الترجمة علمٌ أمّ فنٌّ؟ وُلِدْتُ مُتَرْجِمًا! الترجمة وسيلة للقاء الثقافات مشاكل الترجمة الترجمة الآلية أم الترجمة البشرية. وأيّهما تختار؟ الترجمة الفورية الترجمة التحريرية
 
كاتب المقال

كتب : المترجم العربي
الوظيفة : ناشر
شاركنا المقال  
لماذا الترجمة "صنعة"؟
9/13/2018 : مشاهدات 82 : اعجابات

بقلم: د.حسام الدين مصطفى

لماذا أقول أن الترجمة "صنعة"؟ لعلي من مجموعة ترفض مبدأ الترادف بين الألفاظ، وتؤمن بأن لكل لفظ خصوصية تجعله يمتاز عن غيره من الألفاظ التي ربما يتشارك معها بعض دلالاتها... ومن هذه الألفاظ: صنعة، وصناعة، وحرفة ومهنة، وفن وعلم وجميعها اقترنت بلفظ الترجمة، وبما أن المترجم هو ثمرة المعرفة اللغوية الباثقة بين أغصان دوحة اللغة، فلنعد إلى اللغة وخزائنها ونرى كيف فرقت معاجم اللغة بين الألفاظ التالية وفيها تبيان يقطع شك بيقين، ويقدم إجابة للمتسائلين الباحثين، ونستكشف أي الألفاظ يليق بالاقتران بالترجمة، وأيها أدق في وصف حالها، وبيان غرضها وهدفها، وتوضيح ماهيتها وسبلها...

يشير لفظ الصنعة إلى ترتيب العمل وإحكامه بما يوصل إلى المقصود منه، وتختلف الصنعة عن العمل في أنها لا تصدر إلا من إنسان بينما العمل يشمل الإنسان والحيوان، و الصنعة تحتاج إلى سابق علم ومعرفة بالمطلوب وممارسته والتدرب عليه للوصول إلى درجة الإجادة والإتقان، ويطلق لفظ (الصنعة) على ترتيب العمل وإحكامه على النحو الذي تعلّمه، وبما يوصل إلى المقصود منه.

كلمة (صناعة) في المعجمات العربية:

جاءت لفظة "صَنَعة" في المعاجم - كالمعجم الجامع والمعجم الوسيط ،ومعجم اللغة العربية المعاصر، والمعجم الغني، والمعجم الرائد، ولسان العرب - كالتالي: (اسم) صَنَعة الجمع : صَنَعات و صَنْعات، الصَّنْعَةُ : عمَلُ الصانعِ، الصَّنْعَةُ : حرفة الصانعِ، الصَّنْعَةُ : هي الصُنْع وإنتاج والصَّنعة : الطَّريقة المنظَّمة الخاصَّة التي تتَّبع في عمل يدويّ أو ذهنيّ، و الصانِعُ : مَنْ يحترِفُ الصناعة، صَنَع اليدين : حاذق في الصنعة، وعَمَلٌ مُحْكَمُ الصُّنْعِ : مُحْكَمُ الإِنْجَازِ يقول تعاليى: (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) (النمل آية 88)، والصُّنْعُ : العمل ، ولا ينسب إلى حيوان أو جماد، هَذَا مِنْ صَنْعَتِهِ :- : مِنْ عَمَلِهِ ، أَيْ مِنْ عَمَلِ الصَّانِعِ، هَذِهِ صَنْعَتُهُ :- : هَذِهِ حِرْفَتُهُ، عَمَلٌ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ الصَّنْعَةِ :-: كَثِيرٌ مِنَ التَّكَلُّف، وهي صُنْع وإنتاج، الطريقة المنظَّمة الخاصَّة التي تتبعَ في عمل يدويّ أو ذهنِيّ، وصنع الفرس : أحسن القيام عليه والعناية به، وأهل الصنعة هم العلماء المختصون بأحد أفرع العلم. ‏

صنعة الشعر:

جاء الحديث عن الشعر بوصفه "صنعة" في تقسيم ابن قتيبة في كتابه "الشِّعر والشُّعراء" وذكر مثل ذلك الجاحظ في البيان والتبيين وغيرهما، وقد أشاروا إلى أن منهج الصنعة في الشعر لم يمثل أي غضاضة أو يشير إلى أي قصور لدى أتباعه؛وهناك كتابات ابن طباطبا وأبو هلال العسكري، ومن جملة ما كتبه أهل اللغة والنظم والنقاد نخلص إلى أن المقصود بصنعة الشعر هو الاهتمام بالمراجعة والتدقيق سواء ما تعلق باللغة أو المعاني أو المجال أو الأداء. أليس هذا هو ما يقوم به المترجم عند تعامله مع النص؟! فيبذل غاية الجهد في الدراسة والبحث والمراجعة والتنقيح سعيا إلى بلوغ أعلى مستوى للإجادة!!.

إذًا لماذا الترجمة صنعة ؟!

إن أجمل ما في لفظ "صنعة" أنه مستخدم – دون غيره من ألفاظ مثل العمل، والمهنة والإبداع والوظيفة والحرفة- بذات المعنى في كلام الله تعالى لداود، كما في قوله عز وجل:{وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ ۖ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ} (الأنبياء -80)، {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} (الشعراء- 129)، {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ} ( هود-37)، {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} (هود-38)، {أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ۚ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي} (طه- 39)، {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ} (طه- 69)، {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ ۙ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ ۖ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۖ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ} (المؤمنون- 27)، أيضًا في {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۚ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} (النمل- 88).

لنقف عند تفسير هذه الآيات الكريمة ومنها على سبيل المثال ما ورد في تفسير الإمام الشعراوي رحمه الله:{وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ} ( هود-37)، أصنع " أي: اعمل الصنعة، وهناك فرق بين الصنعة والحرفة، فالصنعة أنْ تُوجِدَ معدوماً، أما الذي يقوم على صيانة الصنعة فهو الحرفيُّ. الصانع يأتي بشيء من متطلبات الحياة، في تطورها ويوجد آلةً أو يصنع جهازاً لم يكن موجوداً، و الحرفيُّ هو الذي يصون تلك الآلة، والحق سبحانه وتعالى يقول هنا لنوح عليه السلام:{ وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ } [هود: 37]. أي: أوجد شيئاً من عدم، إلا أن هذا الشيء سيصنع من شيء آخر موجود، لأن نوحاً عليه السلام قد زرع من قبل شجرة وعاشت معه كل هذه المدة الطويلة، وتضخَّمت في الجذع والفروع، وبدأ نوح عليه السلام في عملية شقِّ الشجرة ليصنع منها السفينة.

هذا أمر أشبه بعملية الترجمة فنحن لا نخلق محتوى جديدًا وإنما نستخدم النص الأصلي لنخرج منه بنص مترجم، وفي قوله تعالى: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ ۖ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ) (الأنبياء -80)، لنلحظ هنا أن الصنعة تحتاج إلى التعليم، وقد اقترن الصنع بالإتقان في قوله تعالى: ( صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) (النمل:88)، والصانع هو من يقوم بصنع شيء تقتضيه وتحتاجه الحياة البشرية، كأن يصنع آلة مثلا، أما الحرفيُّ فهو الذي يصون تلك الآلة، وإذا عدنا إلى جذور لغتنا العربية لوجدنا كلمة "صنعة" أو " صناعة" كانت هي الصفة التي تصف كل ما دل على الفن، حتى الأدب والشعر كانا يوصفان بالصناعة والصنعة، بل ولطالما استخدم عظماء اللغة والأدب والفكر والعلم العرب اسم الصناعة كعناوين لمؤلفاتهم والتي نعتبرها زخائر وكنوز اللغة العربية ومن ذلك كتب:

• صناعة الطب- يعقوب بن إسحق الكندي.- (علامة عربي مسلم، برع في الفلك والفلسفة والكيمياء والفيزياء والطب والرياضيات والموسيقى وعلم النفس والمنطق) (805م – 873م).

• صنعة العلاج بالحديد- ترجمة إسحاق بن حنين (طبيب عربي مشهور؛ كان أوحد عصره في علم الطب، وله كثير من الترجمات ومعرفة باللغات وكان يعرب كتب الحكمة والطب لمكتوبة باليونانية إلى اللغة العربية) (830م-910 م).

• صنعة الشعر والبلاغة- أبو سعيد السيرفى (قال أبو حيان : « أبو سعيد السيرفى شيخ الشيوخ وإمام الأئمة ، معرفة بالنحو والفقه واللغة والشعر) (897م- 978م).

• صناعتي النظم و النثر- أبو هلال العسكريّ (واحد من أئمة البلاغة وعلوم العربية خلال القرن الرابع الهجري، وكان شاعرا وأديبا له مؤلفات كثيرة) (920م- 1005م).

• "سر صناعة الإعراب"- أبو الفتح عثمان بن جني (عالم نحوي كبير، بلغ في علوم اللغة العربية من الجلالة ما لم يبلغه الا القليل ويبدو ذلك واضحا في كتبه وأبحاثه التي يظهر عليها الاستقصاء والتعمق في التحليل، واستنباط المبادئ والأصول من الجزئيات. اشتهر ببلاغته ووضع أصولا في الاشتقاق ومناسبة الألفاظ للمعاني)(941م- 1002م).

• صنعة الأسطرلاب- أبو الريحان محمد بن أحمد البَيْرُوني (عالم مسلم، كان رحّآلةً وفيلسوفًا وفلكيًا وجغرافيًا وجيولوجيًا ورياضياتيًا وصيدليًا ومؤرخًا ومترجمًا لثقافات الهند. وصف بأنه من بين أعظم العقول التي عرفتها الثقافة الإسلامية، وهو أول من قال إن الأرض تدور حول محورها، له ما يزيد على 120 كتابا) (973م— 1048م ).

• كتاب اللمعة في صنعة الشعر لأبي البركات الأنباري (من علماء اللغة والأدب وتاريخ الرجال) (1119 م-1181 م).

• المفصل في صنعة الإعراب- أبو القاسم الزمخشري ( الإمام الكبير في التفسير، ورائد علم الحديث والنحو واللغة وعلم البيان) (1074 م - 1143 م).

• كتاب المدخل لصناعة المنطق، تأليف الشيخ الامام أبي الحجاج يوسف بن محمد ابن طملوس (الفيلسوف والطبيب الألندلسي تلميذ ابن رشد)( توفي1223م).

• ﻛﺘﺎﺏ ﺻﺒﺢ ﺍﻷﻋﺸﻰ ﰲ ﺻﻨﺎﻋﺔ ﺍﻹﻧﺸﺎ- ﺃﲪﺪ ﺑﻦ ﻋﻠﻲ ﺍﻟﻘﻠﻘﺸﻨﺪﻱ( كان عالماً موسوعياً ومؤرخاً وفقيهاً وقاضياً علامة من رواد علم الأنساب والإنشاء، وأحد الأئمة الأعلام الذين أصلوا معارف ونظم وفتوحات الدولة الإسلامية) (1355م - 1418م).

• كتاب "صنعة الفلاحة" لأبي عبد الله الشطيبي (عالم مغربي كتب في مختلف فنون المعرفة، من تفسير وحديث، وتاريخ وأدب وتصوف) (توفي 1556م).

وحتى المعاصرين من العرب وغير العرب استخدموا ذات اللفظ مثل:

• صنعة الشعر – خورخي لويس بورخيس Jorge Luis Borges (كاتب أرجنتيني يعتبر من أبرز كتاب القرن العشرين بالإضافة إلى الكتابة فقد كان بورخيس شاعرا وناقدا) ( 1899م - 1986م).

• صنعة الرواية- بيرسي لوبوك Percy Lubbock (ناقد بريطاني ومنظر شهير بين أصحاب النظريات النقدية التي تعالج الفن الروائي) ( 1879م- 1965م).

• صناعة المعجم الحديث- د. أحمد مختار عمر (أستاذ اللغة العربية بكلية دار العلوم - جامعة القاهرة وعضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة) ( 1933م - 2003م).

• كتاب صناعة الثقافة السوداء- إيليس كاشمور (عالم اجتماع إنجليزي واستاذ في جامعة أستون ببرمنغهام وجامعة تامبا وجامعة هونج كونج) (ولد عام 1949-).

• صنعة الكاتب: مايبقى من الكلمات- فهد بن صالح محمد الحمود (باحث وأكاديمي معاصر).

• كتاب صناعة الثقافة- د. طارق السويدان (باحث وكاتب كويتي، وداعية إسلامي، ومؤرخ، وإعلامي، ومدرب في الإدارة والقيادة( ولد عام 1953-).

وفي الصيغ الاصطلاحية الحديثة نجد الصناعة هي عملية تحويل شكل المواد الخام في الطبيعة و مضمونها لزيادة قيمتها و باستخدام أدوات مناسبة بغاية جعلها قابلة لإشباع حاجة معينة سواء إن كانت وسيطة أو نهائية، والصناعة هي تقديم خدمة جديدة أو منتج معين ضمن صنف ما وهي عبارة عامة تطلق على أي نوع من المنتجات الإقتصادية، والصناعة هي إجمالي المشاريع المنتجة تقنيًا في أي حقل من الحقول؛ لذلك فيقيني أن تعبير " صنعة الترجمة " ووصفها بأنها "صنعة" هو الأدق لغةً وتعبيرًا عن حقيقة الترجمة وما يرتبط بها.

اعجبنى المقال
   
  مواضيع ذات صلة
 
الترجمة علمٌ أمّ فنٌّ؟
الترجمة وسيلة للقاء الثقافات
مشاكل الترجمة
الترجمة الآلية أم الترجمة البشرية. وأيّهما تختار؟
الترجمة الفورية
الترجمة التحريرية
 
 
شاركنا تابعنا للتواصل

   
art@arabletters.com
info@arabletters.com