مشاركة ملف الصفحة الرئيسية البحث تابعنا
اللغة التركية الحديثة تقطع حبل الوصل بالتاريخ العثماني‏ لماذا الترجمة "صنعة"؟ الدبلحة وتراجم الشاشة.. كيف نترجم ترجمة دقيقة؟ اللغة الفرنسية اللغة الأولي في أفريقيا والعالم.. المركز القومي للترجمة يفتح أفاق جديدة للترجمة الأدبية.. تاريخ الترجمة: كان ومازال المترجم جنديًا مجهولًا.
 
كاتب المقال

كتب : المترجم العربي
الوظيفة : مدير الموقع
شاركنا المقال  
ترجمة الشعر بين الإمكان والاستحالة
7/23/2018 : مشاهدات 49 : اعجابات

ترجمة ومعالجة: غادة عماد 

منذ بضعة أيام، نشرت (بي جاى إيبشتاين B.J. Epstein) اقتباسًا لـ (صامويل جونسون Samuel            Johnson) والذي يقول فيه: "بالتأكيد لا يمكن ترجمة الشعر، فالشعراء هم من يصونون اللغة؛ فإذا اُتيح لنا كل ما كُتِبَ بلغة ما مترجمًا بنفس الجودة؛ لما تحملنا مشقة تعلمها، ولكن بما أن جمال الشعر لا يمكن الحفاظ عليه في أي لغة سوى التي كتب بها، فإننا نتعلم اللغة".

 يبالغ (إيبشتاين أن جونسون) في مثالية اعتقاده بعدم امكانية ترجمة الشعر وحاجتنا لتعلم اللغة لقراءة شعرها؛ بينما أرى أنه يمكن تحصيل الكثير بالنظر لهذه المناظرة بشكل عملي؛ أعتقد أن إيبشتاين تغاضى عن أول جملة من الاقتباس: " إن الشعراء هم من يصونوا اللغة."

إنني أجد مسألة الحفاظ على اللغة مثيرة للاهتمام؛ لا شك أن اللغة الشعرية تعتبر الأصعب عند الترجمة، ولهذا نهضت الشهادات العليا في الترجمة الأدبية، وكذا مؤسسات ك(جمعية المترجميين الأدبيين الأمريكيين) فالترجمة الأدبية كالترجمة الطبية أوالقانونية؛ تتطلب مهارة ومعرفة خاصة باللغة الدارجة.

إن الأمر لا يقتصر على الكفاءة اللغوية والحس اللغوي، فعلى المترجم الأدبي امتلاك قدرات إبداعية؛ فعلى سبيل المثال؛ الشهادات الوحيدة في الترجمة الأدبية في الولايات المتحدة هي شهادات الماجستير في الفنون الجميلة، وللحصول على هذه الشهادة على مرشحي شهادة ماجستير الفنون الجميلة في الترجمة إثبات إجادتهم للغة أو لغتين غير لغتهم الأصلية فقط، كما عليهم أيضَا الانضمام لورش عمل في الكتابة الإبداعية كـ (الأدب القصصي والشعر والأدب الواقعي...إلخ)، الذي بدوره سيصقل مهاراتهم في الكتابة ويغرس حس إبداعي أولي في كل من لغتهم الأصلية والأجنبية.

تدرك هذه البرامج أن الترجمة الأدبية هي فن في حد ذاتها، فترجمة أعمال (بودلير أو سيلان) هي تفسير إبداعي للعمل الأصلي للكاتب؛ فعند ترجمة الشعر، يكون للمترجم الأدبي خياران؛ إما أن يترجم العمل من أجل الدقة، وفي هذه الحالة سيخسر الكثير من جمال اللغة (اللغة الشعرية)، وإما أن يترجمه من أجل الجمال، وعندها سيخسر جزء كبير من دقة النص؛ لهذا تعددت ترجمات أعمال بودلير، فببساطة يستحيل ترجمة قصائد (أزهار الشرLes Fleurs du Mal )  والمحافظة على دقتها وجمالها معًا.

إن (صمويل بيكيت Samuel Beckett ) هو أحد الكتاب الذين رفضوا السماح للآخرين بترجمة أعمالهم، فقد كتب (بيكيت أبرز) مسرحياته (في انتظار غودو En attendant Godot ) باللغة الفرنسية في الفترة (1948:1949) ثم ترجمها لاحقًا بنفسه إلى الإنجليزية لتُنشر في بريطانيا والولايات المتحدة. وبالمثل كتب ثلاثيته  (رواية مولوي Molly ومالون يموت Malone Meurt واللامسمى Linnommable ) باللغة الفرنسية ثم ترجمها بنفسه للإنجليزية ـ بيكيت أيرلندي، ولغته الأم هي الإنجليزية، ومع ذلك فقد كتب العديد من أعماله الهامة بالفرنسية ثم ترجمها إلى الإنجليزية ـ ترجم بيكيت كل أعماله الإنجليزية بنفسه إلى الفرنسية ورفض التخلي عن سلطته الفنية عليهم، أما بالنسبة للغات الآخري، وبالتحديد الألمانية والإيطالية ـ أجادهما بيكيت إجادة كبيرة، إن لم يكن طلقًا تمامًا بهما ـ فقد سمح بيكيت بالترجمة إليهما، ولكن فقط من وثق فيهم بشكل شخصي (وعندها، كان يجب أن يقرأ الترجمة ويواقف عليها أولًا قبل نشرها).

مع أن بيكيت حالة إستثنائية أعتقد أن هناك شيئًا يمكن أن نتعلمه منه؛ أدرك بيكيت أن ترجمة (غودو) هي بمثابة خلق نسخة جديدة منها، وحتي يحافظ علي الأصالة الفنية للنص (الأصالة وليس الدقة) كان عليه ترجمة النص بنفسه (أي إعادة كتابة النص في اللغة المطلوبة).

بالطبع يمكن ترجمة الشعر؛ وتمت ترجمته بالفعل؛ لكن لا يمكن إيجاد ترجمة أصلية لعمل إذا لم يترجمه الشاعر بنفسه؛ أما بالنسبة للترجمات التي نقرأها في الصحف الأدبية أو المجموعات المترجمة، فيجب أن نتذكر أن هذه الترجمة هي نتيجة إبداع المترجم.

 إن المترجم ينقل القصيدة للغة غير اللغة الأصلية التي كتبت فيها؛ في حين أن القصيدة المترجمة تحافظ على جوهر القصيدة الأصلية، فهي قصيدة جديدة، ومنتج إبداعي للمترجم؛ لذا إيبشتاين محق، فمن المستحيل لنا جميعًا تعلم كل اللغات لقراءة شعرها؛ لكن جونسون أيضًا محق؛ يصون الشعراء لغة معينة في قصائدهم ولترجمة قصيدة فإننا نبتكر قصيدة مختلفة في لغة مختلفة، وبينما أود أن أقول أني حقًا قرأت أعمال بودلير، وهذا غير دقيق، فلقد قرأت ترجمات متعددة لأعمال بودلير، لكن نظرًا  لمستوى لغتي الفرنسية المتدني، فأنا بالتأكيد لم أقرأ أعماله، أتمنى أن أفعل ذلك يومًا ما.

اعجبنى المقال
   
  مواضيع ذات صلة
 
المركز القومي للترجمة يفتح أفاق جديدة للترجمة الأدبية..
هيرمان هيسه: رحلة البحث عن الذات والوصول إلى نوبل..
البوساء: رائعة الكاتب الفرنسي فيكتور هوجو...
إبراهيم نصر الله يفوز بجائزة الرواية العربية
ترجمة الروايات المصورة
صعوبات الترجمة الأدبية
 
 
شاركنا تابعنا للتواصل

   
art@arabletters.com
info@arabletters.com