مشاركة ملف الصفحة الرئيسية البحث تابعنا
لغات الهند الترجمة الأدبية من العربية - رؤية جديدة وشهرة متزايدة التفاعل اللغوي بين اللغة العربية واللغات السامية في صدر الإسلام أدباء سوريون يشقون طريقهم في المهجر مقهى آينشتاين يحتضن الأدب العربي في برلين أثر الحضارة الإسلامية على أوروبا نشوء وتطور اللغة الألمانية
 
كاتب المقال

كتب : المترجم العربي
الوظيفة : ناشر
شاركنا المقال  
هل الترجمة ممدّنة؟ وظائف الترجمة ودرجات التمدن. الجزء الرابع
6/29/2018 : مشاهدات 119 : اعجابات

ترجمة الدكتور: لحسن الكيري

 

- خــــلاصـــة                       

   سوف أختم هذا العرض ببعض الملاحظات والاقتراحات لأنه، كما تعلمون، النقد سهل والعمل صعب. بحيث لا يكفي أن ننتقد، بل أن نبني ونقترح، وهذا ما سأقوم به دون مزيد تأخر. من أجل أن تكون الترجمة" جوهر الحضارة عينه" كما يزعم ذلك إسحاق باشفيس سانجير، يجب، ربما، أن تميل أكثر نحو تحرير النص الأجنبي. إن الترجمة باعتبارها مكونا أساسا من ثقافة معينة، فإنها هي الخميرة التي تغذيها. فهي تغنيها عبر تشويهها أثناء عملية النقل وهو ما قد يطول، غالبا. إذن، فالترجمة مشكلة للذوق، مثل ما حدث مثلا في القرنين السادس عشر و السابع عشر، سواء أكانت متمركزة عرقيا أم لا. أما إذا كانت متمركزة عرقيا، وإذا تمخضت عن نص حيث يجد المخاطب/ القارئ نفسه وكأنه في ثقافته الأصلية،  عندها يبدو لي أنها أقل إخصابا (خلقا أو إغناء) من ترجمة، وهي تتحدر من لغة وثقافة أو تقليد أجنبي، تدهش، تحرج وتحرك المتلقي، مضطرة إياه إلى إعادة النظر في ذاته وإلى التساؤل، فتغنيه باختلافها عوض أن تسجنه في امتثالية عادة أو تقليد ما. ينتج عن هذا أن الترجمة مخلخلة قطعا، بحيث يجب أن تثير صدمة لدى القارئ وتترك آثارا أثناء عملية النقل. وهكذا فإن الإغناء ومن ثمة الحضارة، يتمخض عن هذه الصدمة ومن هذا الاختلاف.

   إن الترجمة لا ترتكز، بالضرورة، على التملق للمتلقي أو جعله مسرورا بالبحث عن النص الذي كان ينتظر قراءته وإنما، بالأحرى، ترتكز على مفاجأته واقتراحها عليه نصا أجنبيا عن ثقافته وعن تقاليده. مجمل القول، هو إنه، عبر الترجمة، يتغيا المترجم القبض على المقصدية الحقيقية لمؤلف النص الأصلي وليس التصرف على نحو كما لو أن الرسالة موجهة حصريا للقارئ وأن هذا المترجم يحوز كل حقوق هذه الرسالة، في حين أنه ليس إلا مستأجر لها، بمعنى مالك لها مؤقتا، مع ما يتمخض عن ذلك من التزامات.

    والحالة هذه، بما أن الترجمة تنزع، بالدرجة الأولى، إلى أن تكون خارجية النشأة و ليس داخليتها، فإن ذلك لا يتم دونما خطر، ذلك الذي يكمن في فقدانها لروحها و لكن يا له من " خطر جميل"، فكما كان يقول أحد الكيبيكيين المشهورين، فإن الفن يعني أن نجد التوازن!، و مرة أخرى هل يجب أن تظهر رغبتنا في البحث عن هذ التوازن!. أعتقد أن أي إصلاح يتم القيام به في مجال تكوين المترجم و ( الترجمان) يجب أن يأخذ بعين الاعتبار، من جهة، التطور المدهش للمجتمعات والعادات والذي نشهده منذ عشرين سنة، ومن جهة أخرى، التحولات التي تشهدها الألسن في سياق حضارة وسائطية منذورة للتواصل، إن من أجل الأفضل أو من أجل الأسوإ. لهذا أقترح عليكم إعادة تقييم مفهوم "الثقافة"[1]، بالمعنى الذي يعطيه لها ألان تورين[2]، بما هي الطريقة التي تبني بها جماعة ما علاقة مع بيئتها.

    إن المرتكزات التقليدية للثقافات، سواء في الشمال أو الجنوب، قد اهتزت بقوة. وينتج عن ذلك تحول، لازلنا لا نستطيع أن نتبنى، بشكل واضح حدوده. يبدو أننا نتجه نحو ثقافة تتأسس على قواعد أكثر اتساعا وأكثر هشاشة في الآن ذاته، ثقافة تكون مختلطة وأكثر من ذلك مندمجة، دون أن نعود، من أجل هذا، لا إلى روح إنسيي النهضة ولا إلى روح المثقفين الموسوعيين. من الآن فصاعدا لم تعد الثقافة تتأسس، فقط، على الركيزة الأدبية، إلا عند بعض اللدودين. إن الإرث الإعلامي لمترجم اليوم لا يمكن أن يتشكل، فقط، من معرفة العادات والآثار الأدبية لعصرٍ ما، كما كان من ذي قبل؛ وإنما يجب أن تضم عدة المترجم معرفة الأحداث والوقائع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلمية والتقنية لعصره. إنه بهذه الطريقة نكون الثقافة التي ننعتها بالعامة، مشكلة من المعارف كما خبرات المجتمع.

   أخيرا، فإن هذا التحول المجتمعي يمر، بكل جلاء، عبر قناة اللغة. أود القول هاهنا إن اللغة – و ملاحظتي تهم اللغات التسع المنضوية تحت لواء CEE[3] -   يجب أن تتأقلم مع هذا التطور، وليس التطور هو الذي ينبغي أن يوجه بواسطة اللغة، دون أن ننسى، كما كان يذكرنا بذلك بورخيس[4]، أنه إذا كانت اللغة وسيلة للتواصل، فإن الكلمات (رمز سحري وموسيقي). ففيما يتعلق باللغة الفرنسية، مثلا، فإن لا أحد يشك في قدرتها على متتابعة قطار التنمية والعلم والتقنية وفي السهولة التي تنساب بها في الكلمات والمفاهيم الجديدة وأسماء الملابس من لغات أخرى والتي تبتدعها اللغة الإنجليزية يوميا. ونتائج وأعمال المصطلحية، بخاصة، الكندية تتحدث عن ذلك. والحال أن الأساطير راسخة واللغة الفرنسية لازالت تحمل الصورة التقليدية للرشاقة، ونعومة العيش وجودة الحياة المقترنة بالدرجة "المودا"، الدرجات (المودات) الفكرية، والطعام الفاخر وموليير، في حين أنها، كذلك، وهذا منذ قرون خلت، لغة العلم والطب والاقتصاد والصناعة والآن لغة الفضاء والاتصالات عن بعد. نرى أنه يجب توجيه مجهوداتنا إلى العقليات من أجل الإصلاح وأن ننزع نحو إقحام مواد وشعب جديدة في تعليمنا، وتكون حاملة لمعارف عصرنا، مثل لغات التخصص وعلوم اللغة وغيرها، دون استسلام إلى السهولة التي يمكن أن تجرنا إليها درجات (مودات) العصر والمفاهيم الضبابية من قبيل " صناعة اللغة" .

   والآن، كي أضع نقطة نهاية لهذا المونولوج الطويل أقول: هل الترجمة ممدّنة حقا؟ نعم، بكل وضوح، رغم محدوديتها. إنها مخصبة[5]على العديد من المستويات: الأفضل كما الأسوأ، والتي ليست إلا انعكاسا لازدواجيتنا. على كلٍّ يجب أن نحسن الاختيار، فبحسب ما إذا كانت إيديولوجية المترجم ذات طبيعة نظرية، وإذن، منفتحة على الإعلام الجديد، أو ذات طبيعة مذهبية، وإذن منغلقة في وجه الإعلام غير الامتثالي، عندها تكون الترجمة أكثر أو أقل إخصابا .أدعوكم، إذن، للنضال ضد النزوع والذي اكتشفه ج. ف. روڤيل و مفاده أن يكون الناس في حاجة إلى الاعتقاد منه إلى الإعلام، وهو ما قد يجعل المعرفة بدون قيمة، وأن يختاروا المعارضة باسم الإيمان/ العقيدة عوض أن يجادلوا، بالأحرى، باسم أفكارهم؛ ولنستمع، كذلك، إلى سيمون دي بوڤوار في مقابلتها الأخيرة مع سارتر[6] عندما تبوح له :" لقد قلت لي مرة- و وجدت ذلك صحيحا تماما- إن:" في العمق الذكاء ضرورة"، "يتعلق الأمر إلى حد كبير، بسرعة الذهن أو كما نقول، بوضع العديد من الأشياء في إطار علائقي، وإنما هي ضرورة، أي يجب ألا نتوقف، ويجب أن نذهب بعيدا، دائما بعيدا جدا".

   إنها الأمنية التي أصوغها للترجمة ولكتائبها والتي أنتمي إليها أنا وتنتمون إليها أنتم.

 

NOTES

1- «L’informatique est- elle - civilisatrice ?», L'express, 24, sept.1982, p.79.

2- Soit, pour le moment, quelque 5000 ans attestés.

3-Dont, par exemple Henri Van Hoof sur la traduction scientifique, 26-3, p.215 ; ou encore, 18-4, p.387, 19-3, p.141et 19-3, p.171.

4- Voir sur cette question l’excellente étude de Gilbert Highet (1957), the classical tradition, New York et oxford University Press. A Galaxy Book, p.104. Et SS.

5- « Misère des traducteurs », Le monde, mardi 30 mars 1982, p.15.

6- Cité par Nicole Zand, ibid, p.15.

7- Kenneth White, Une apocalypse tranquille, Paris Grasset, 1985, p. 52.

8- Traduction libre: «  j’aime Rome, mais l’Italie je préfère. L’Italie à ma faveur, mais plus encore l’Angleterre. Le latin honore, mais l’anglais adore ».

9- Jean Piaget, Six études de psychologie, Genève, Gonthier, 1964, p.105.

10- Claude Hagège, L’Homme de paroles, Paris, Fayard, 1985, p.47.

11- Claude Hagège, ibid. p.50.

12- Dans une conférence donnée devant la société du parler français au Canada, le premier février 1922, intitulée «L’influence de la traduction sur notre parler », le Canada français, 8- 4,1922, p. 253-271.

13- « La traduction totale », Babel, VI, 3, sept.1960, p.115. La traduction dans le monde moderne, Genève.1956, p.108.

14- L’épreuve de l’étranger, Paris, Gallimard, 1984.

15- Dans une lettre à Louis Bonenfant, cité par Henri Troyat, dans sa bibliographie Flaubert, Paris, Flammarion, 1988.

16- Aveux et Anathèmes, Paris, Gallimard, Arcades, 1987, p. 39.

17- Qui reflète d’ailleurs en partie la crise que traversent les sciences sociales depuis, en gros, 1968, lorsque les grands édifices intellectuels ont été contestés et que les certitudes qu’ils avaient érigées en système ont été balayées par le doute salutaire, de mise en toute entreprise intellectuelle saine.

18- Hubert Reeves en propose la définition suivante, qui correspond parfaitement à ce que j’entends par démarche scientifique : (elle) consiste à admettre ses limites, à tâtonner, à se tromper, à se corriger, à ajuster continuellement le tir. Propos tenus dans une entrevue accordée à l’express, 1798, 27déc.1985, p.35.

19- J’entends ici par « idéologie » un système d’idées fait pour contrôler, accueillir, refuser l’information, selon la définition qu’en donne Edgar Morin.

20- Je reprends les propos de Reeves, ils ont une résonance particulièrement contemporaine : « Il y a une sorte de continuité qui fait que désormais on ne peut plus séparer sciences naturelles et sciences exactes, sciences naturelles et sciences humaines. Si vous concentrez votre attention sur un domaine de la réalité, vous êtes obligé de faire appel au domaine adjoint. Vous ne pouvez pas étudier la biologie sans étudier la chimie, la chimie sans étudier la physique, la physique sans étudier les mathématiques, les mathématiques sans étudier la psychologie». (Lire, 133, oct.1986, p.33).

21- Lausanne, Symbolon, L’Âge d’Homme, 1979.

22- Entretien avec l’express, 1585, 27 sept.1981, p.83.

23- Je prends le terme «épistémologie» dans le sens où l’entendait Piaget, soit, «l’étude de la constitution des connaissances valables et l’étude du passage des états de moindre connaissance au états de connaissance plus poussée », (Logique et connaissance scientifique, 1967).

24- Une apocalypse tranquille, Paris, Grasset, 1985, p.54.

25- L’Obvie et L’Obtus, Essais critiques III.

26- Edgard Morin, pour sortir du XXe siècle, Paris, Fernand Nathan, 1981, p. 42.

 



[1]  الثقافة هي ما نتكون به أما الحضارة فما نعمل به، كما أن الثقافة تسبق الحضارة و تؤدي إليها لأنها بمثابة الفكرة و الحضارة بمثابة المادة. و الثقافة هي كل مكونات الإنتاج المادي أو الرمزي لجماعة أو مجتمع ما بينما الحضارة يراد بها مجمل التمظهرات المادية الملموسة للثقافة غير أن هذين المفهومين متداخلان.(المترجم).

[2]  يعد ألان تورين من أهم رواد علم الاجتماع المعاصر، وهو فرنسي الأصل، من مواليد سنة 1925، عمل باحثا في المجلس الوطني للبحوث الفرنسية حتى سنة 1958، أسس مركز دراسات علم الاجتماع في جامعة تشيلي في سنة 1960، وأصبح باحثا في إيكول «إيتوديس» في العلوم بباريس، اشتغل على تطوير مفهوم مجتمع ما بعد صناعي. (المترجم).

[3]  ربما يقصد بهذا المختصر Centre d'entrepreneuriat et d'essaimage أي "مركز صناعة المشاريع و المساعدة على إنشاء المقاولة"؛ و هو مركز بحثي كبير و مشهور تابع لجامعة كيبيك الكندية بشيكوتيمي.

[4]  قاص و شاعر أرجنتيني اسثنائي في القرن العشرين، يرى أن كتب العالم تشكل في الحقيقة كتابا واحدا! (المترجم).

[5]  بالفعل، و نلفت انتباه من تساوره الشكوك إلى أفضال الترجمة على الإمبراطورية العربية الإسلامية العباسية في القرنين الثالث و الرابع الهجرين على سبيل الاستئناس لا الحصر.(المترجم).

[6]   جون بول سارتر و سيمون دو بوفوار زيجة فرنسية طرفاها فيلسوفان و كاتبان من المقام الرفيع في القرن العشرين نحيا  منحى وجوديا في طروحاتهما الفكرية. (المترجم).

 

اعجبنى المقال
   
  مواضيع ذات صلة
 
كيف تترجم مقالاً علمياً
الترجمة التقنية: ماذا يؤخذ بالاعتبار
المسؤولية المهنية للمترجم
المضامين الثقافية للترجمة
ضمن أي إطار يمكن ترجمة المصطلح القانوني ؟
اشكالية الترجمة القانوية
 
 
شاركنا تابعنا للتواصل

   
art@arabletters.com
info@arabletters.com