مشاركة ملف الصفحة الرئيسية البحث تابعنا
خمس تقنيات لترجمة الأدب ثلاثة أدوار جوهرية للمُترجِم المُحترِف تاريخ اللغة الفرنسية بيكاسو وديرين يشاركون في متحف بفالنسيا مع ريبالتا وإلبوسكو اللغات ومحو الثقافات تعدد اللغات طريق المُترجِم لوظائف الترجمة الحُرّة والتأهُل لها
 
كاتب المقال

كتب : المترجم العربي
الوظيفة : مدير الموقع
شاركنا المقال  
هل الترجمة ممدّنة؟ وظائف الترجمة ودرجات التمدن. الجزء الثاني
5/30/2018 : مشاهدات 34 : اعجابات

   ترجمة الدكتور : لحسن الكيري 

 

سعادة وتعاسة الترجمة[1]

 

    سوف أنطلق من ملاحظة لأجيج[2] حول الترجمة لأنها تحتوي في صميمها المشاكل الأساسية التي يطرحها إنجازها:

"إن هؤلاء الذين يريدون سلب الترجمة أية قيمة، تحت ذريعة أننا نترجم دائما بطريقة بائسة، يجب عليهم رغم ذلك، القبول بأن أي نص في أي لغة ما [.....] هو، جزئيا أو كليا، قابل للترجمة إلى نص في لغة أخرى" (10). إن ما يزعجني داخل هذه الملاحظة، ليس التأكيد على أن تكون الترجمة ممكنة، وهذا ما نقتنع به كلنا، وإنما تلك التحفظات التي تعبر عنها: إننا نترجم دائما ببؤس، تقريبا، (أو تماما). فلتقروا بأن هناك سببا ما يجعل المرء حائرا و حتى غير مطمئن! بل مصدقا للانتقادات الحادة وللتهكمات العديدة التي نتحامل بها على المترجم دائما، بحيث يبدو لنا أنه لا يسيطر على فنه حقا أو مجموع مهاراته حسب ما تذهب إليه الآراء. والحال أن،" الأمر المدهش هو أنه حتى بصورة جزئية  أو تقريبية جدا، يمكننا أن نترجم دائما (11). فإذا كان التطابق البيلساني (بين الألسن) غير حاصل، من الناحية النظرية، على الأقل، في الوضع الراهن للعلم، يبقى في غياب الأفضل، وفي أحسن الأحوال، أمر معروف جدا هو "التعادل " سواء أكان ديناميا، وظيفيا، شكليا[3]، أو ماذا أدري؟

     إنه في إنجاز نص الوصول (المترجم) حيث تكمن نقطة الضعف. فمهما كانت طريقة الترجمة التي ينتهجها المترجم - حرفية أو كلمة بكلمة : ترجمة الحرف، المعنوية أو الترجمة الحرة التي لا تعير الاهتمام لا للنص ولا لمؤلفه -  فإن نص الوصول (المنتوج النهائي) سيكون موضوعا للنقد حسب إيديولوجية الشخص الذي يطلق حكم قيمة عليه. فالمترجم هو ضحية المشاعر والرّغائب والضغائن أو الإحباطات التي يغذيها الناس حول إنتاج الآخرين؛ ذلك أن الروح النقدية هي واحدة من الأمور الأكثر إشاعة في العالم.

   سأتحاشى، مرة أخرى، أن أفتح "فهرس الشنائع" التي يتم إلصاقها بالمترجمين. فلنقل إنه قبل ظهور التدريس النظامي للترجمة من حوالي بضع عقود، كان المترجم، في غالب الأحيان، هو الآخر محط تشهير. ومنذ ظهور مدرسي ومنظري الترجمة، على وجه الخصوص، لم يعد المترجم هو الوحيد الذي يعاني المتاعب والويلات في المقام الأول. ذلك أن القائمين على النشاط الترجمي كلهم متهمون، وإن بدرجات متفاوتة. إن المترجم كواحد من الذين يقومون بوظائف الترجمة الثلاث - التنظير، التدريس، الممارسة - يمكنه، في معظم الأحوال، أن يستفيد رغم ذلك من ظروف التخفيف. سأوضح ذلك.            

 - المترجم و ثقل التاريخ

      سأبدأ بتفحص حالة المترجم، الأكثر سهولة، و لربما الأكثر بساطة من بين تلك الحالات الثلاث. إننا ندين له، كما رأينا ذلك، ببعض من أروع نجاحات الحضارة. ندين له كذلك بالإحباطات الصارخة ( الفشل) في غالبية اللغات والثقافات التي نعرف. فدون أن نذهب بعيدا حتى مشاطرة وجهة نظر الكندي لويس ألبير بونواس، الذي أدان سنة  1922"عمل الترجمة المشؤوم" (12)- لكن سياق ذاك الحين كان يقبل ذلك- يمكننا، على العكس، أن نتساءل حول " جودة " الحضارة التي تبنى و تشيد عن طريق المعنى المضاد والمعنى الزائف والأخطاء وغيرها من الشنائع من هذا القبيل.

      بكلام آخر، هل تؤثر أمانة[4] ترجمة ما في نجاحها، إذا كان أمر الاتفاق حول مدلول هذا المصطلح ممكنا؟  إننا نعرف جميعا نموذج الترجمات التي أنجزها كل من بودلير و مالارمي لعمل إدغار ألان بول: إنها طافحة بالأخطاء. لكن نصوص بودلير، مثلا، هل، حتى من أجل هذا، لقيت نجاحا أقل ؟. إن النجاح المتواصل الذي عرفته ترجماته منذ ذلك الحين، والتي شهرت بُّو عند الفرنسيين وكرست شهرته عبر العالم ( وهي لازالت تدهش النقاد الأمريكيين) ليبدو أنها تبين العكس .

   هناك مثال آخر ذكره كاري متصديا للنجاح الذي لقيته النسخة الفرنسية ل: هامليت؛ الفيلم المصور باللغة الإنجليزية، بمشاركة لورنس أوليفيي في الدور الرئيس الذي نال رضى الجميع رغم بعض الهفوات التقنية، و على وجه الخصوص تلك المتعلقة بإهمال أحد التزامنات الصوتية (13).

   في الواقع، منذ " الجميلات الخائنات" والخصومات بين القدماء والمحدثين تنبعث في كل حين، حتى في أيامنا هذه، أيضا، بينما غالبية الناس لا تناقش جودة ترجمة ما، خاصة، في المجال الأدبي وتضع الثقة في المترجم.إن هذا دور النقود الأدبية والجامعيين فيما نعتقد، أي مقارنة النص المترجم بالنص الأصلي. والحالة هذه، فإن كل ترجمة جديدة لعمل معين، سواء أتعلق الأمر بالترجمة الإنجليزية لرائعة بروست الموسومة بعنوان - بحثا عن الزمن الضائع- والتي أثارت، لوحدها زوبعة حقيقية أو ترجمة "المحاكمة " لكافكا من طرف لورتولاري والذي يتهم ألكسندر ڤيلات، أول وأكبر مترجم لهذا العمل، لكونه قد خان المؤلف، بحيث لم ينقل الدعابة المتميزة لكافكا أو الترجمة الشاعرية للتوراة بعد 50 سنة من طرف أنجري شوراقي التي بالغ في إطرائها البعض وحقرها البعض الآخر.

     كي أختم هذا الفصل أذكر بعجالة، الجدل الذي أحاط بترجمة أعمال فرويد[5] ومصطلحيتها الفريدة، السخط الحقيقي أو المصطنع لميلان كونديرا وهو يتهم مترجمي رواياته الأولى بتحريف نبرتها، كلية، غير معبرين عن روح الدعابة التي، كما يؤكد، تطبع أعماله. إن هذه النادرة ليست بدون أهمية: فكونديرا يخال، خطأ أو صوابا، أن مترجميه جعلوه يشتهر ككاتب حزين وممل، في حين أن رواياته كانت، على العكس، فظة ومرحة.

    إن هذه الانتقادات الموجهة لعمل المترجم لا تستهدف اللغة الفرنسية فقط. فهناك انتقادات أخرى، وما أكثرها، تستهدف اللغات الإنجليزية والألمانية والإسبانية أو الإيطالية. إن هذا الشّر كونيّ. غير أنه فيما يتعلق بالفرنسية يمكن أن نستكشف، بسهولة، أسبابه. لقد سبق وأن استحضرت أعلاه "الجميلات الخائنات". فهذا التقليد، بكل تأكيد، فرنسي. لقد رده أنطوان برمان أصله إلى الوراء حتى وقف عند دي بلاي الذي يعرض في كتابه: "دفاعا عن اللغة الفرنسية و إبانتها "[6]1549، بعض المبادئ الخاصة بالترجمة و التي حبست أجيالا من المترجمين في إطار ثقافي متمركز عرقيا والذي لا يزال يلقي ببعض ظلاله، حتى اليوم، أيضا (14).

    سوف أقدم لكم مثالا أخيرا موضحا جدا للمزاج الذي تأطرت فيه، ردحا من الزمن، الترجمة الفرنسية. ومَن لم يشاهد الفيلم المقتبس من الرواية الشعبية المشهورة لمارغريت ميتشل[7]، والذي ترجم إلى الفرنسية تحت عنوان :    Autant en emporte le vent ?  نستحضر ذلك المشهد المأساوي الذي يخص القطيعة بين ريت باتلر و سكارليت، في أسفل الدرج الكبير، وهي تحاول أن تستدر شفقته بطريقة أنانية حول مصيرها، وبأقل عدد من الحجج، تتوسل إليه كي لا يهجرها.  وعندها يرسل لها هذا الجواب اللاذع:" بكل صراحة عزيزتي، إنه لأضعف همٍّ عندي"، فهذه الجملة تترجم بالإنجليزية ب: " Frankly, my dear, I don’t give a bann".

     أذكركم بأن هذه الرواية قد ظهرت سنة 1936، لكنها تعالج حدثا في جنوب الولايات المتحدة الأمريكية إبَّان حرب الانفصال حوالي 1860 ونيف. فبالنسبة لإنسان مؤدب، فإن هذا الرجل قد غامر مع ريت، لأن جوابا سريعا كهذا فيه ما فيه من البذاءة، خاصة في الجنوب حيث العادات واللغة مهذبة ولكن النبرة مكشوفة، إنها تنم عن حنق الرجل الذي طالما خدعته سكارليت المتقلبة الأطوار وعن سخريته ذات السذاجة الزائفة أمام مناورتها الخائنة.

     إن المترجم لم يفلح في الفطنة إلى هذا، لأنه كان عليه، وبدون شك، أن يجعل الجمهور الفرنسي يعتقد أن الأرستقراطية الجنوبية تعبر عن نفسها بلطافة وليس ببذاءة، خاصة عندما يتم التوجه بالكلام إلى امرأة بحيث تحرر من الحرف و المعنى  ونبرة النص. فمن منا يتخيل ريت باتلر و سكارليت يعبران عن نفسهما بنبرة...ماريوس وفاني؟ والحال أنه رغم ذلك، فهذا ما كان يجب أن يقوم به من أجل أن يكون هناك تعادل في المقامات. إن هذا النوع من الخيانة ما كان ليصدم الكثير من القراء؛ فالقليل من الفضوليين هم الذين سيذهبون إلى تفحص الأصل للوقوف على كيفية تعبير هذين الغريبين الأمريكيين، واقعيا، في لغتهما. يتعلق الأمر بمثال من بين ألف ليس إلا، بيد أنه مدهش ويختصر، تماما موقف غالبية المترجمين، والذين هم، زيادة، على ذلك ميالين لاتباع قواعد دي بلاي وكذا جاك أميوت ومبدأ الفن للفن المنظم لجمهورية الأدب والذي لربما عبر عنه فلوبير جيدا بهذه الكلمات: "إن مغزى الفن يكمن في جماله نفسه، وأنا أقدر، فوق ذلك، أولا الأسلوب وبعد ذلك الحقيقة " (15). ومن جانبي فإن مغزى الحادثة يرتبط، أكثر وعلى وجه العموم، بالموقف المتمرد للعمل الأجنبي والذي يميز الحضارة الفرنسية والتي تواطأ معها المترجم عن وعي أو عن جهل، باسم المصالح العليا للحضارة التي يتوجب عليه خدمتها ولكن من غير خيانة تلك الحضارة الأجنبية، من أجل هذا الأمر .

   بيد أنه نعذر المترجم كثيرا مادام ليس بالمسؤول الوحيد عن هذه "الخيانة "التي فرضها عليه المجتمع ورقباؤه، ماذا عساي أن أقول، نماذجه التي يحتذى بها في التفكير.

      ومن أجل مواساته في هذه المحن، سأذكر له كلاما مسليا يعود لنيورون، و ها هو ذا :" لقد سبق وأن عرفت كتابا بليدين وحتى أغبياء؛ و المترجمون الذين استطعت الاقتراب منهم كانوا أذكياء جدا وذوي أهمية أكثر من الكتاب الذين يترجمون لهم. وهذا يعني أنه يجب أن نفكر من أجل الترجمة أكثر من التفكير من أجل الإبداع" (16).

      إن باقي المتهمين، والذين نحن من بينهم، هم مدرسو ومنظرو الترجمة الذين أعاد ڤيناي تسميتهم بشكل طريف: " Pedagotrads" و " Théoritrads" . سوف أتلو نصيبهم من التهمة ما داموا، بصفة عامة، ينتمون كليا أو جزئيا إلى نفس العالم ألا و هو الجامعة.



[1]  يحيل هذا العنوان الفرعي بطريقة مباشرة على دراسة رائدة في الترجميات كان قد أنجزها فيلسوف إسبانيا الأول في العصر الحديث يتعلق الأمر بخوسي أورتيغا إي غاسيت المتوفى سنة 1955. أما عنوان الدراسة فهو: Miseria y esplendor de la traducción أي: "بؤس و عظمة الترجمة" الصادرة في الأصل سنة 1937. (المترجم).

[2]  لساني فرنسي مشهور من أصول يهودية، ازداد بتونس سنة 1936. اهتم كثيرا بديداكتيك اللغات و علوم اللغة و الترجمة. (المترجم).

[3] تحدث الكثيرون عن المعادل الدينامي و المعادل الشكلي منهم إيوجين نايدا و حاتم الباسل و إيان مايسون و دو ليل و غيرهم كما نجد ظلاله في التقاليد الترجمية العربية في بيت الحكمة و عند الجاحظ و غيره كثير. (المترجم).

 

[4]  هذا المفهوم كذلك المقترن بنقيضه أي "الخيانة" كتب حوله العديد من المنظرين و الدارسين منهم ولتر بنيامين مثلا في  "مهمة المترجم"، غير أنه أصبح في تقديرنا متجاوزا اليوم، في زمن العلم و العولمة، و تراجع الهيمنة اللاهوتية و الدينية في التوجيه، ذلك أن مفهوم "الترجمة خيانة" أصلا هو سليل الكنيسة الكاثوليكية و باسمه سفكت دماء  عدد من المفكرين و المترجمين الأحرار مثل إتيان دولي في فرنسا سنة 1546. (المترجم).

[5]   طبيب نمساوي  من أصل يهودي، مختص في دراسة الطب  العصبي ومفكر حر. يعتبر مؤسس علم النفس التحليلي. (المترجم). 

[6]  نذكر ها هنا بأن دي بلاي  1549في فرنسا و و سبيرون سبيروني 1542 في إيطاليا و أنطونيو دي نبريخا 1492هم أوائل من حاولوا التقعيد للغتهم المحلية في بلدانهم و الدفاع عنها أمام اللغة اللاتينية التي كانت قد بدأت تشيخ و بدأ يطلقها متكلموها. (المترجم).

[7]  كاتبة أمريكية شهيرة ازدادت بأطلنطا و بها توفيت سنة 1949. (المترجم).

 

اعجبنى المقال
   
  مواضيع ذات صلة
 
اللغات ومحو الثقافات
تعدد اللغات
هل الترجمة ممدّنة؟ وظائف الترجمة ودرجات التمدن. الجزء الرابع
هل الترجمة ممدّنة؟وظائف الترجمة ودرجات التمدن الجزء الثالث
هل الترجمة ممدّنة؟ وظائف الترجمة ودرجات التمدن. الجزء الثاني
هل الترجمة ممدّنة؟ الجزء الأول
 
 
شاركنا تابعنا للتواصل

   
art@arabletters.com
info@arabletters.com