مشاركة ملف الصفحة الرئيسية البحث تابعنا
أسباب انتشار الأخطاء في الترجمة بأنواعها.. اللغة العربية الفصحى بين الكلاسيكية والحديثة.. هيرمان هيسه: رحلة البحث عن الذات والوصول إلى نوبل.. الأدب العربي وسياسة الترجمة.. تاريخ اللغة التركية.. الترجمة العربية وتاريخ الأدب العربي. اللغة التركية نشأتها وتطورها
 
كاتب المقال

كتب : المترجم العربي
الوظيفة : مدير الموقع
شاركنا المقال  
هل الترجمة ممدّنة؟ الجزء الأول
5/23/2018 : مشاهدات 64 : اعجابات

    ترجمة الدكتور : لحسن الكيري 

  إذا انطلقنا من تأكيد كون الترجمة ممدّنة، وهذا ما لن يشكك أحد فيه هاهنا، على الأقل على المستوى الكمي، فمع ذلك يمكننا أن نتساءل حول جودة المدنية

التي ستؤدي إليها إذا ما نجحت تقريبا. فعلا، إذا كانت الترجمة "خيانة" يمكن أن نقول عنها إنها ممدنة بنفس الدرجة كما هو الحال مع الترجمة "الأمينة" التي تحترم الحرف مثل مقصد مؤلف النص؟ وفيما يختص بهذه الأخيرة، أيمكن للمرء أن يقبل، بدون أدنى تردد، كونها نداء ممدّناً لأنها تعد أمينة؟ لا أزعم تقديم جواب نهائي على هذه الأسئلة الكبرى التي تتجاوز نطاق عرضي وتتطلب إنجاز العديد من رسائل الدكتوراه، فقط، من أجل الإحاطة بمفهوم من قبيل الأمانة في الترجمة، مثلا. سأكتفي بتبيان الدور السامي الذي لعبته الترجمة في تطور الإنسانية، والذي تعرفونه محاولا، أكثر تحديدا، توضيح سبب عدم نجاح المترجم إلا 

جزئيا، رغم جهوده، ودون أن يكون مذنبا، ثم فيم يتجلى كون الحضارة والثقافة، تقريبا، مسألة وظائف كما درجات للتطور.

I - دور الترجمة في تطور البشرية  

     من بين الوظائف التي تم إقرارها للترجمة، تقليديا، هناك وظيفة أولى هي تلك المتعلقة "بالتواصل". إن الترجمة وسيلة نقل استثنائية للمعلومة والمعرفة والعلم، وذلك منذ الأزمنة الغابرة (2). فعبر سماحها لشخص ما باكتشاف الأعمال والإنجازات البشرية المفكر فيها والمكتوبة في لغة أجنبية، والتي تفصلنا عنها آلاف السنين، مفسحة المجال أمام الولوج إلى حضارات وثقافات الماضي - البعيد أو القريب - أو الزمن الحاضر، تكون الترجمة قد ساهمت، وبقوة، في تطور الإنسانية على ثلاث مستويات: الأفكار الرائجة داخل كل تجمع بشري، تنظيم المجتمعات واقتصادها.

     سوف أوافيكم بقائمة الإنجازات، التي لا تحصى ولا تعد، والتي قام بها المترجمون عبر العصور. أحيلكم على الأعمال العديدة التي نشرها مؤرخو الترجمة حول هذا الموضوع، مثلا على صفحات مجلة:  "Meta" نفسها (3). إننا نعرف جميعا ما ندين به لمترجمي أعمال الفلاسفة الأوائل والشعراء ورجالات القانون والرياضيين والعقول الأخرى الكبيرة في زمانها. لقد تغذينا منها. بيد أنه كم من أجيال قبل جيلنا استفادت منها، جاعلة إيانا، هكذا،  نستفيد من ثمرة تفكيرها والتي اغتنينا بها كل الاغتناء؟

   سوف لن نفي حق الإيفاء بالدين الفكري الذي ندين به ل: "المترجم المجهول " الذي نرتبط به بواسطة الخيط اللامرئي ولكن الصلب للفكر الخلاق المنقول بواسطة العديد من حلقات سلسلة الأجيال[1]. إن عمله المتواضع والباهت بالقياس إلى عمل بناة الإمبراطوريات وكبار الزعماء، ليس بأقل أهمية. بل أستطيع القول إن عمله أعظم من عملهم مادامت الحضارات فانية والإمبراطوريات وأنماط العيش سريعة الزوال، في حين أن الترجمة، تبقى، ونتمنى ذلك، وستبقى إلى آخر الأزمان.

   سوف أقتصر على أخذ بعض الأمثلة المستمدة، من بين أخرى، من كتاب النهضة الكبير، وهو عصر (النهضة ) حيث اشتهر، المترجم، بصفة خاصة، على الأقل فيما يخص المستويين الفكري واللغوي، ومارست الترجمة تأثيرا بقوة وفرادة قل نظيرهما، وبإيجاز : غزيرتين.

   - ترجمة الإنتاج الفكري

      تعود أول ترجمة أدبية من لغة إلى أخرى إلى 250 سنة قبل الميلاد، وذلك عندما ترجم الشاعر لِڤيوس أندرنيكوس إلى اللغة اللاتينية "الأوديسة" لهومر(4). أما الباقية فتنتمي إلى التاريخ و الأساطير وإلى الملاحم مثل الترجمة السبعينية التي قام بها 72 حبرا للتوراة من العبرية إلى اليونانية، في نفس العصر على وجه التقريب. إن غالبية الأفكار العظمى الرائجة في الغرب، في اللغات الرئيسة للحضارة، قد وصلت إليها عبر قناة الترجمة، من أفلاطون وأرسطو إلى هيجل، من ديموستين وشيشرون إلى ماركس ويانغ، من أبيقور وغاليلي إلى فرويد ومن أوقليدس إلى إنشتاين.

     يمكن أن نطبق على غالبية الإنتاجات الفكرية هذه الملاحظة التي تعود إلى نيكول زاند، والذي بالنسبة إليه، " من الواضح أنه، بدون مترجمين، لا يوجد أدب أجنبي، ولا تيار من أجل إخصاب العبقرية الفرنسية" (5). ويؤكد ريمي دو ݣورمون، من جانبه أنه "في الحقيقة أن الأدب الفرنسي لم يكن ليصبح ذا حيوية إلاّ لأنه تجدد بثبات، ولم يتجدد أبدا إلا تحت الرياح القادمة من الخارج، غالبا من بعيد جدا " (6). إذا كان النشاط الترجمي، منذ بداية عهد الترجمة، قد اقتضى بصفة رئيسة، على الترجمة في اللغة المحلية للنصوص الإغريقية واللاتينية، فإنه لم يتأخر، أبدا، في المرور إلى اللغات الدارجة ليستفيد كل شعب من الثُروات المقدمة من طرف لغات الآخرين: وهكذا فقد استفاد الروس من إضافة اللغة الألمانية، والألمان والإنجليز من مساهمة اللغة الفرنسية، الخ. لا لغة ولا أدب يمكنهما الاكتفاء بالذات. فعبر الاحتكاك بالفكر الذي يتمخض تحت سماوات أخر، ينتفض العقل بصورة غريزية، فإما أن ينفتح على هذا الفكر ويتغذى منه، وهذا لا يمكن أن يكون إلا انعكاس منافسة أو محاكاة، وإما أن ينغلق على نفسه كانعكاس للدفاع عن الذات من أجل الاحتماء منه. إن فكراً أصيلا إذا حدث وتم تبليغه، مهما كانت اللغة التي تعبر عنه، فهو عموما منشط قوي بالنسبة لذاك الذي يكتشفه، فينتج عن ذلك فكر أصيل آخر وهكذا دوالك. إن التأثير المضاعف للترجمة لا يحتاج إلى أن يبرهن عليه. نجمل القول فنقول إن وظيفة الترجمة تكمن في الربط بين الثقافات الأجنبية الواحدة مع الأخرى وإعداد أرضية لجوهر ثالث، لعالم فكري جديد (7).

   - الترجمة وإغناء الألسن

     علاوة على تطوير الفكر والتقنيات وإغناء الثقافات بواسطة أدب تربوي في اللغات الدّارجة أثرت الترجمة بشكل كبير جدا، في درس التطور اللغوي. وهذا غني، تقريبا، عن كل كلام. إن المترجم يغني لغته بكلمات جديدة وبصور وصيغ والتي ما كانت لتتأتى له، بالطبيعة، أو ما كان ليفكر فيها إن لم يدخل في احتكاك مع النص الأجنبي[2]. فاللغات التي بدأنا بالترجمة نحوها من اليونانية واللاتينية كانت أقل غنىً، بكثير، من لغات الانطلاق، لأن الأمر كان يتعلق بلهجات محكية، بالأساس، ومفتقدة، تقريبا، للتقليد الكتابي، وبالتالي للإنتاج الفكري. بالمقارنة، فإن اللغات المرجعية، التي ننعتها بالكلاسيكية قد أخصبت اللغات الدارجة عن طريق العديد من الاقتراضات التي اغترفها المترجمون من قبيل نيكول أوريزم، مثلا، الذي عهد إليه شارل الخامس بترجمة المقالات الثلاث لأرسطو. وعبر قيامه بذلك، يكون قد أدخل إلى الفرنسية كلمات مثل " أرستقراطية "، "استعارة" و "سفسطائي" والتي كانت عامل إغناء، فيما بعد. نحن نعرف مقدار ما ندين به له، فيما يخص سواء اللغات الرومانية أو اللغات الأخرى من قبيل الإنجليزية والألمانية. ويتمظهر هذا عبر الثروة المعجمية الكبيرة التي تمخضت عن طريق الاقتراضات واستعارة التعابير والكلمات الإغريقية واللاتينية. إن هذا الموقف المتخذ من طرف المترجم مستساغ: ليس له خيار آخر سوى أن يصطنع المصطلحات العلمية والفلسفية والطبية أو القانونية غير الموجودة. في لغة الوصول. و من هنا انبثقت الألفاظ المولدة التي ظهرت بكيفية حادة في غالبية اللغات الدارجة في القرنين الرابع عشر و الخامس عشر. بالإضافة  إلى المعايير اللاتينية العديدة التي لم يتوان  الإنسيون أبدا في شجبها. فلم تسلم من ذلك أي لغة إن رومانية أم جرمانية كانت. غير أنه، تدريجيا، وتحت تأثير شخصيات  مختلفة،  مثل الإيطالي دانتي خلال القرن الثالث عشر في إيطاليا، ولوثر في ألمانيا وسبينسر في إنجلترا وجماعة الكوكبة (الثريا) في فرنسا، خلال القرن السادس عشر، أزاحت الإنسية "الدارجة"، حقا، اللغة اللاتينية.

    نستحضر بصدد هذا الموضوع مجاهرة سبينسر برأيه الديني عندما يقول :  

"I love Rome but London better. I favour Italie. But England more.I honor the Latin; but I worship English".[3]

ومن منا لم يحفظ عن ظهر قلب أبيات الشوق (8) و الحنين التي تعود لدي بلاي و هو يبكي بلدته الصغيرة العريقة (ليري)؟

   إن هذا التطور وهذا التجذر للغات المحلية إزّاء اللغتين اليونانية و اللاتينية ندين به، جزئيا، إلى الجهد الصابر للمترجم. فهذا الذي ساهم بقوة، في النهوض بوضع حالة لغات الوصول، مرتقيا بها، بالتدريج، إلى مستوى النموذج الكلاسيكي الذي يحتذى به، قبل أن يجعلها تجابه، نهائيا، العائق الذي كانت تمثله اللغات الأجنبية المنظور إليها على أنها راقية مادامت تحمل حضارة مرجعية عظيمة، دافعا بها إلى حداثة النهضة.

     إذا كان الفكر، كما ذهب إلى ذلك بياجي[4]، سابقا على اللغة وإذا كانت " هذه تقتصر على تحويله بصورة عميقة مساعدة إياه على أن يتخذ أشكاله "التوازنية" (9)، فإن المترجم، عبر تأثيره في هذا وتلك، قد لعب دورا لا يمكن إهماله في آلية الوظيفة الرمزية. إن هذه الوظيفة الممدّنة  للترجمة تقوم على حسابه. بيد أنه، مهما كانت هذه الوظيفة شريفة وخصبة، لا يجب أن تحجب عنا إخفاق ومحدودية النشاط الترجمي، وهذا ما سأخوض في الكلام عنه الآن.



[1]  فأنا ضارب لك مثلا هاهنا، عزيزي القارئ، بقيمة النقول أي الترجمات ولو التلخيصية منها التي قام بها الفلاسفة المسلمون في القرون الوسطى و التي ستكون قنطرة مهمة سيمر بواسطتها الفكر الهيليني إلى أوربا الغارقة في ظلامها بعد نهاية الدورة الحضارية عند المسلمين الذين حاروا بعد همة و خاروا بعدة فورة و ثورة. تشهد على ذلك المستشرقة الألمانية المعتدلة سيجريد هونكه في كتابها: "شمس الشرق تطلع على الغرب" الصادر سنة 1962. (المترجم).

[2] نضرب مثلا بالترجمات المزعومة التي دافع عنها كل من جدعون توري و إفن زوهار نحو اللغة العبرية و التي ساهمت في إغناء و فتح هذه اللغة كثيرا في العصر الحديث.(المترجم).

[3]  المقصود بهذه القولة هو إحساس سبينسر المتعاظم بالانتماء المحلي الإنجليزي على حساب الانتماء الأوسع للحضارة الرومانية. أي بداية تشكل النزعات المحلية لغة و ثقافة و غيرها في أوربا النهضوية. (المترجم).

[4]  عالم نفس بنائي و عالم تربية و منطقي و إحيائي سويسري مشهور في القرن العشرين. توفي سنة 1980.(المترجم).

 

اعجبنى المقال
   
  مواضيع ذات صلة
 
الأدب العربي وسياسة الترجمة..
اللغات ومحو الثقافات
تعدد اللغات
هل الترجمة ممدّنة؟ وظائف الترجمة ودرجات التمدن. الجزء الرابع
هل الترجمة ممدّنة؟وظائف الترجمة ودرجات التمدن الجزء الثالث
هل الترجمة ممدّنة؟ وظائف الترجمة ودرجات التمدن. الجزء الثاني
 
 
شاركنا تابعنا للتواصل

   
art@arabletters.com
info@arabletters.com