مشاركة ملف الصفحة الرئيسية البحث تابعنا
اللغة التركية الحديثة تقطع حبل الوصل بالتاريخ العثماني‏ لماذا الترجمة "صنعة"؟ الدبلحة وتراجم الشاشة.. كيف نترجم ترجمة دقيقة؟ اللغة الفرنسية اللغة الأولي في أفريقيا والعالم.. المركز القومي للترجمة يفتح أفاق جديدة للترجمة الأدبية.. تاريخ الترجمة: كان ومازال المترجم جنديًا مجهولًا.
 
كاتب المقال

كتب : المترجم العربي
الوظيفة : مدير الموقع
شاركنا المقال  
ترجمة الخطاب السياسي
4/4/2016 : مشاهدات 78 : اعجابات

الترجمة والخطاب السياسي ووسائل الأعلام

كريستينا شافيز وسوزان باسنيت ([1])

مقدمة

اعتادت صحيفة يوروبيان فويس الأسبوعية نشر مادة بعنوان (( ما تقوله الصحافة )) معلّقة على أحداث سياسية معاصرة مثلما يتم نشرها في صحف وطنية عديدة . والمثال الذي نقدمه مهم لأسباب عديدة. :

أجرى المستشار الألماني السابق كيرهارد شرويدر مقابلة مع صحيفة الفيغارو الفرنسية وردا على سؤال طرحته الفيغارو أجاب شرويدر قائلا : " بصورة مطلقة " آه " انتظر ، ربما لا يتحدث الفرنسية" ،  فقط في قسم الطاقة أكثر وضوحا هكذا قال " بصورة محتملة"  قالها بالألمانية  أما بالنسبة للبقية ما هو الخيار ؟ يعود الأمر إلينا لتستجيب بصورة ايجابية (يوروبيان فويس 16 / 11 / 2006 ) ص 14 .

 إن الملاحظة في هذا المثال هي تقرير حول مقالة نشرت في صحيفة فرنسية " لوفيغار" حيث قام صحفي فرنسي باجراء مقابلة مع المستشار الألماني السابق وسياسي ألماني علما أن أصل المقابلة سبق وأن تم نشرها على شكل تقرير يتضمن إجابات مباشرة من قبل المستشار الألماني السابق . ومن جهتها قامت يوروبيان فويس بكتابة تقرير حول المقابلة مع اختيار مقتبسات من النص الأولي. وفي الحقيقة لم تنشر الفيغارو النص الكامل للمقابلة . وعلى كل حال يلعب اختيار الأخبار دوراً كبيراً كما هي الحال مع النص الأصلي . وكما هو معروف، نشرت الفيغارو المقابلة باللغة الفرنسية على الرغم من عدم وجود أية معلومات واضحة حول اللغة التي جرت فيها المقابلة الأصلية . وقامت يوروبيان فويس بتقديم نسخة بالانكليزية مأخوذة من النص الفرنسي أي أنها مترجمة عن الفرنسية ، ويوضح لنا هذا المثال أنّ كلاً من الترجمة والتأويل كان لهما دورهما في هذا الموضوع. .

ومن المحتمل أن معظم القراّء ليسوا على بيّنة من الدور الذي تؤديه الترجمة في نقل الأخبار العالمية ولكن مثلما يوضح لنا هذا المثال هنالك علاقة مباشرة ربما غير مرئية بين السياسة ووسائل الأعلام والترجمة ، إن العملية التي تتم من خلال تقارير وسائل الأعلام هي في الحقيقة عبارة عن أشكال من إعادة  هيكلة السياق وهذا بدوره يعني التحولات التي تتم على النص . وفي الحقيقة تعد عملية أعادة هيكلة السياق والتحول معقّدة عندما يتعلق الأمر بالترجمة لأن وسائل الأعلام تقوم بنقل تقارير عبر حدود اللغة . ولهذا السبب سوف نسلّط الضوء في قادم الصفحات وبصورة مفصلة على العلاقة الموجودة بين الترجمة والسياسة ووسائل الأعلام .

السياسة والخطاب السياسي

كما هو معروف للجميع أن أرسطو عرّف الكائنات البشرية على أنها حيوانات سياسية تعيش تحت ظل دولة ، وان أية مجموعة بشرية تتصف بالتفاعل والعلاقات بما فيها علاقات السلطة . ولهذا السبب أوضحت الدراسات السياسية العلاقة بين السياسة والسلطة . وتحدث شيلتون (2004) حول الموضوع من زاويتين :

من جهة، يُنظر الى  السياسة على أنها صراع من أجل السلطة بين أولئك الذين يسعون للامساك بها  والحفاظ عليها وأولئك الذين يقاومون هذا الاتجاه. ومن جهة أخرى، يُنظر إلى السياسة على أنها تعاون من أجل إيجاد حلول لأية صراعات تحدث في المؤسسات والمجتمع على حد سواء وبخاصة في مجال المال والتأثير والحرية وما شابه ذلك .

وعلى كل حال ، إذا تعلق الأمر بالصراع أم بالتعاون لا يمكن التعامل مع السياسة بدون اللغة . فالتفاعل الإنساني والعلاقات الإنسانية محرّكها الأول اللغة ويستند هذا التفاعل إلى ظروف اجتماعية وثقافية وتاريخية وإيديولوجية ومؤسساتية . وفيما يتعلق بالسياسة، يمكننا القول أن الأوضاع السياسية الخاصة والإجراءات والنشاطات التي تتم (مثل المناظرات البرلمانية والنشاطات الصحفية والإعلامية ) تجد تنظيم الخطاب والتركيب النصي لأنواع الخطاب المختلفة والتي يشكّل منها الخطاب السياسي صيغة معقّدة للنشاط الإنساني .

ومن وجهته اقترح بوخارت (1996) تمييزا مفصّلاً بين الحديث عن السياسة ( مثل عندما يتحدث الناس العاديون في النوادي حول نتائج الانتخابات ) وبين الخطاب السياسي في وسائل الأعلام ( مثل الخطاب الذي يتناول المؤسسات السياسية ) . إذن قدم لنا نوعين من الخطاب الأول هو الحديث العام بين الناس حول السياسة والثاني هو الخطاب السياسي ولكل من الخطابين ميزتهما وخصائصهما . وفي الحقيقة يختلف الخطاب السياسي عن الحديث العام حول السياسة إذا أنه ينقسم إلى أنواع عديدة وأنه موجّه دائما من قبل السياسيين ( مثل البيان السياسي لحزب سياسي وهو متعلق بصنع السياسة والنوع الثاني يتعلق بتوضيح القرارات السياسية وتبريرها . الأول موجّه من قبل رجال السياسة وموجّه إلى رجال السياسة أما الثاني فأنه موجّه من قبل رجال السياسة إلى الجمهور ( مثل الخطاب الموجّه في الحملة الانتخابية والخطاب الذي يلقيه رئيس الدولة بمناسبة العام الجديد  .)

وسائل الإعلام

فضلا عن الدولة والجمهور، نجد وسائل الأعلام التي تعد لاعباً رئيساً في التواصل السياسي وقد أُطلق عليها " السلطة الرابعة"  إذ أن الصحافة ووسائل الأعلام بصورة عامة تصل إلى أوسع جمهور في بلدان العالم فضلا عن السرعة التي يتم بها إيصال الرسالة وهذه هي السمة الأساسية التي تحكم التطبيقات الصحفية . وفي يومنا هذا نلاحظ أن الأخبار مستمرة خلال (24) ساعة إذ إنها تصل في لحظة حصول الحدث دونما أي تأخير .

ومن الأهمية بمكان ان نشير الى ان السنوات الأخيرة  شهدت تقدماً كبيراً في مجال دراسة وسائل الإعلام . ففي المقام الأول نلاحظ أن الصحافة المكتوبة تمثل أساساً للتحليل النقدي في حين أن هنالك دراسات عديدة ركّزت على لغة الصحافة مع إلقاء الضوء على النواحي الأسلوبية والنحوية والمعجمية . وأظهرت الدراسات المقارنة اختلافات في جودة الصحافة، ولا بد من التركيز على جانبين مهمين هما الأخلاقيات الصحفية وحقيقة الخبر ونقله بأمانة . والنقطة الأخرى الجديرة بالملاحظة هي تحليل الأيديولوجية التي تعكسها الصحافة والتراكيب النصية . وعلى سبيل المثال، أوضح العديد من المؤلفين كيف تم عكس الأيديولوجيات في الصحافة مع تفحّص دقيق للجوانب اللغوية المستعملة في النص .وعندما قام فان ديجك بتحليل الأخبار أكد على خمس عمليات رئيسة هي الانتقاء والإنتاج والاختصار والتحول المحلي ( الإضافة والحذف والتعديل والاستبدال )  وأخيرا الصياغة الأسلوبية والبلاغية . وهذه العمليات مشابهة جدا لسياسة إعادة هيكلة السياق وتضمنت الحذف والإضافة وإعادة الترتيب ويمكن استخدامها لغرض وصف الإنتاج الصحفي عبر الحدود اللغوية كما سوف نلاحظ ذلك لا حقا .

لقد تم إكمال تحليل الصحافة المكتوبة من خلال دراسات وسائل الأعلام المسموعة  والمرئية مثل الراديو والتلفزيون مبيّنا كيف تم نقل  الرسائل المكتوبة وغير المكتوبة  وكيف كان أثرها على الجمهور . فأن كل النشاطات التي تعرض في وسائل الأعلام ذات معنى من جهة وتؤدي وظائف محدودة من جهة أخرى . وفي الوقت الحاضر، بدأ الانتباه ينصبّ على "وسائل الإعلام الحديثة"  المتمثلة بالانترنيت بصورة خاصة . والتحليلات هنا ذات طبيعة بنيوية تتفحّص الكم الهائل من الأخبار وتصنيفها وجمع العناصر المكتوبة وغير المكتوبة في الخطاب متعدد الأنماط . ويتعلق الجانب الثاني الذي تم التركيز عليه بإمكانية وصول المعلومات إلى الانترنيت واستعمال اللغات والسيطرة عليها .

   ومن جهته حدد بيد ناريك  (Bednarek 2006) ثمانية منهجيات تحليلية خاصة بلغة خطاب الأخبار وهذه المنهجيات هي : المنهج النقدي والمنهج السردي / البراجماتي"التداولي" / الأسلوبي والمنهج اللغوي المدوّن والمنهج المتمركز نحو التطبيق والمنهج المتعلق بالتطورية اللغوية والمنهج الاجتماعي - اللغوي (أو المنهج الخاص بعلم اللغة الاجتماعي Sociolinguistics) والمنهج المعرفي والمنهج الحواري . وقام كل من فيتزر ولورباك (2007) بإدخال التحليل المقارن عبر حدود اللغة مع التركيز على تحقيق سمات استدلالية خاصة في اللغات . وعلى كل حال فإن الترجمة لها مكانتها وسط كل هذه المنهجيات على الرغم من أننا سوف لا نتطرق إليها بعمق كبير .

الخطاب السياسي ووسائل الأعلام

تقدم وسائل الإعلام تقارير حول مختلف المواضيع ونجد عدداّ من الأنماط المختلفة يتم تقديمها في وسائل الإعلام المطبوعة . حيث أنها تقدم التقارير الرياضية وحالة الطقس والأبراج وغيرها . فضلا عن عدد كبير من النصوص التي تتعلق بالمواضيع السياسية . وتوضع هذه المواضيع عادة على الصفحات الأولى للصحف مع مقالات افتتاحية وتعليقات .إن هذه الأنواع من المقالات والتعليقات لا تقدم تقريراً حول السياسة بطريقة محايدة وإنما تقدم تقييما يمكن أن يكون له تأثير على الرأي العام حول السياسة وصنعها . وهنالك عدد من الحالات التي كان لنشرها نتائج ربما خطيرة جاءت نتيجة تحقيقات صحفية أدت إلى استقالة سياسيين كبار ولعل فضيحة ووترغيت خير دليل على ذلك . والفضيحة الأخرى ما يتعلق بالنفقات الخاصة بأحد أعضاء البرلمان البريطاني .

 وعلى الرغم من أن المقالات الافتتاحية تقدم أرضية للمعلومات والأخبار وهي في الحقيقة عبارة عن تقييم للحدث السياسي فأن الحدث نفسه لم يتم طرحه إلا بصورة مقتضبة . وتعمل المقالات الافتتاحية عادة على إعادة هيكلة سياق أخبار القصة الموجودة. وبهذه الطريقة تعمل على نقلها وتقييمها أيضا مع إضافة بعض العناصر وحذف أخرى وإعادة ترتيب عناصر واستبدال أخرى. وتستعمل مثل هذه الاستراتيجيات الخاصة بإعادة الهيكلة السياقية في أنواع أخرى من الأخبار مثل تقارب الأخبار والمقابلات، ومتى ما يتم تقديم تقرير حول أحداث سياسية أو اقتباس من حديث سياسيين يتم نقل الخطاب السياسي إلى عملية إعادة هيكلته سياقياً . وبهذا يكون قد تم نقل الرسائل والمحاورات والمناظرات .             

وفضلا عن ذلك فإن التحولات اللغوية مثل التكييف وإعادة التركيب النحوي للجملة تعمل على أن تكون عملية أعادة الهيكلة السياقية بمثابة مصفاة وترشيح لمعنى خبايا الخطاب ويعمد التصوير ألإخباري في بعض الأحيان  عن طريق التقارير الصحفية إلى خلط كلام مباشر مع كلام غير مباشر لأحد السياسيين وخلط تقرير محايد مع تقييم لحديث رجل السياسة ومناقشة سياسة حكومته بصورة عامة . وفي كثير من الأحيان تتم إزاحة الخطاب الأصلي بصورة استدلالية عن سياقه الأصلي ويكون أساسا لردود أفعال نقدية. وكما نلاحظ أنه يتم توجيه النقد للحكومة بأكملها من خلال تصرف سياسي معين بحيث يؤدي هذا التصرف إلى فسح المجال أمام الصحفيين وغيرهم لتوجيه انتقادهم ضد الحكومة . ويتم إدخال الخطاب الجديد مع الخطاب الأصلي وعرضه بهذه الصورة . وهناك أيضا إشارة تناصية في الاقتباس وربما تكون هناك اشارة إلى نص لا وجود له أصلا . ففي حالة إعلان موازنة الدولة مثل ما حصل في بريطانيا هنالك تقارير صحفية لفترة ما قبل إعلان الموازنة وما بعدها .

إن الإشارة إلى خطابات من قبل السياسيين يمكن ملاحظتها في خطاب رئيس وزراء بريطانيا الأسبق توني بلير إذ إن السياسي يدرك تماما  أن وسائل الأعلام سوف تعلّق على خطابه وتعمد الصحافة إلى تعليم الجمهور كيفية تكوين ردود أفعاله ومن ثم التعبير عنها . إن مثل هذه الشواهد توضح بصورة جلية أن النصوص والخطابات تؤخذ من خطابات سابقة . وفي الغالب تعود الخطابات السابقة إلى نوع مختلف وربما أنه يعمل ضمن إطار سياق مختلف . وبهذه الطريقة تنتشر النصوص والخطابات بين مختلف الأنواع والسياقات ومجالات العمل وترتبط فيما بينها لتشكّل حلقات نصية أو حلقات الخطابات ، وعندما تدور أحداث في حلقة  وسائل الإعلام والحلقة السياسية فأنها تخضع لعملية تحول . وما يتم اقتباسه من نصوص في هذه الحلقات الخاصة بالخطاب يتم تحديده بصراع السلطة المحيطة بآراء خاصة  ومعتقدات وإيديولوجيات معينة . وهذا يعني أن أنماط معينة من التحولات التي تجري في إعادة هيكلة السياق تعتمد على أهداف السياق وقيمه وفوائده .

 وتحدث عملية هيكلة السياق عندما تقوم وسائل الأعلام بنقل أخبار الدول الأخرى . ففي هذه الحالات تصبح النصوص الأصلية أو الأحاديث التي أدلى بها السياسيون الأجانب بلغة مختلفة وهي اللغة التي يستعملها الصحفي في تقريره . وسوف يوضح لنا المبحث القادم عمليات إعادة هيكلة السياق عبر الحدود الأيديولوجية والثقافية واللغوية وسوف يتطرق أيضا إلى استراتيجيات التحول مثل انتقاء الأخبار والإضافة والحذف وإعادة الصياغة .

وسائل الأعلام والترجمة

"انها رغبتنا المشتركة .. اذ لدينا شفافية أكبر في الأسواق المالية"  هذا ما قالته انجيلا ميركل في حفلة عشاء في دار الضيافة شمال برلين .

 في هذا الاقتباس، نلاحظ أن صحيفة أمريكية وهي "انترناشينال هيرالد تريبيون"  اقتبست باللغة الانكليزية ما قالته ميركل المستشارة الألمانية ثم عرض الكلمات ميركل بالكلام المباشر وهي ممارسة واسعة النطاق في التقارير الصحفية . ويعمل الكلام المباشر عادة على " شرعنة ما تم قوله" ويجب الإشارة إلى المقابلة التي أجرتها صحيفة " الفيغارو"  الفرنسية مع المستشار الألماني السابق شرويدر والتي ذكرت في بداية المقال وتعكس لنا إعادة هيكلة السياق عبر الحدود اللغوية . ولم يكن لدى القراء النص الكامل للمقابلة إنما تم إعطاء مقتبسات ( وهذه أمثلة لعملية انتقاء الأخبار ) وطالما أن النص الكامل للمقابلة غير متوفر يصبح من المستحيل الحكم على الكيفية التي تم فيها حذف الأخبار كما إنه من المستحيل أن نرى فيما اذا كان تسلسل المقابلة الحقيقية قد تمت إعادة ترتيبها في التقرير في الصحيفة . وفي كل حالة لا بد من اتخاذ قرار من قبل شخص ما بخصوص انتقاء الأخبار ومن ثم مضمون النص النهائي وبنائه مثلما تم نشره .

إن كلاً من اقتباس الأخبار والتقرير الذي ورد في أعلاه حول المقابلة عبارة عن أمثلة للتغيرات في التطبيق الاستدلالي أي من التصريحات في مؤتمر صحفي إلى اقتباس مباشر في تقرير حول المقابلة . ففي كلا الحالتين، تم تغير كلمات السياسيين إلى لغة أخرى تختلف عن اللغة التي تفوهوا بها في الأصل . وبعبارة أخرى، تم استعمال الترجمة والتأويل في الحالتين إلا إن هذه التطبيقات مخفية وليست ظاهرة . أي أنه لا توجد إشارة صريحة في النصوص الصحفية تؤكد على أن التصريحات التي أدلى بها كل من ميركل وشرويدر تم تأويلها و/ أو ترجمتها .ففي حالة المقابلات التي يجريها رجال السياسة مع وسائل الأعلام يتم تأويلها وكذلك تسجيلها ونتيجة لذلك فأن النص المسجل ( أي صوت المؤول ) قد تم فحصه و/ أو تعديله لأسباب أسلوبية . وهنالك ممارسة واسعة النطاق تتمثل في أن يقوم الذي أجريت معه المقابلة بتفحّص النص ويخوّل نشره . وعلى كل حال، تعدّ هذه الإجراءات صعبة التنفيذ إذ تم إدخال الترجمة والتأويل معاً . وفي هذه الحالة يقوم الخبراء أو المؤولين بهذه المهمة .

 كما لاحظنا سابقا ،  تتطلب إعادة الهيكلة السياقية  التغيير الذي تحدده الأهداف والقيم والفائدة . وينطبق ذلك على إعادة الهيكلة السياقية التي تستلزم  الترجمة . إن جميع هذه النشاطات ابتداءً  من القرار إلى التصوير حول الأعمال والأحداث في دولة أخرى ( ليس فقط الشؤون السياسية وأنما أي موضوع آخر ) والى إنتاج النص النهائي يتم تحديدها بالسياسات والأيديولوجيات المؤسساتية . وتقوم وسائل الأعلام بتمكين التواصل عبر اللغات والثقافات وعند القيام بذلك لا بد من إعطاء أهمية لمعلومة دون أخرى أو تقدم معلومة على حساب معلومة أخرى او من الممكن أن تعمل على منع معلومة  ما من النشر .

 ومن جهته ناقش فيركلوف (2006) أنه عندما تتم كتابة تقرير حول الأخبار السردية فأن كل من شكلها ومضمونها سوف يطرأ عليهما تغيير حسب السياقات المعتمدة في مجال الأخبار السردية. والأكثر من ذلك ، في حالة تقديم تقرير حول الأخبار يمكن افتراض مسبّق لبعض المعلومات لأنها معروفة لدى الجمهور في الوقت الذي بمقدور المتحدث أن يقدم تفاصيل حول مواضيع لا يعرفها الجمهور . ولا بد من الإشارة إلى وجود دراسات عديدة حول الخيارات المتعلقة بالمعلومة التي يمكن إدخالها أو استبعادها أو المعلومة التي تكون صريحة أو ضمنية . فمن وجهة نظر الترجمة ودراسات الترجمة (  Translatology ) هنالك العديد من المسائل التي تعد وثيقة الصلة بهذا الموضوع . فإذا أعدنا النظر مرة أخرى في المقابلة التي أجريت مع شرويدر ونشرتها صحيفة " الفيغارو" الفرنسية يمكننا من طرح الأسئلة الآتية : بأية لغة تمت المقابلة أصلا ؟ هل تم تأويل المقابلة ؟ إذا كان الجواب بالإيجاب من الذي قدم المؤٌول ؟ وهل هنالك مؤٌول واحد أم أكثر ؟ من الذي قام بترجمة النسخة المكتوبة ؟ من الذي قام بتحويل المقابلة الشفوية إلى نص معد للنشر ؟ ما هي التحولات التي جرت على هذا الإجراء ؟ من الذي قرر أن يتم نشر المقابلة على شكل تقرير ؟ ومن قرّر اختيار هذه المعلومة للنص المنشور ؟ من الذي صادق على النص النهائي قبل ذهابه إلى الصحافة ؟ من قرّر ولماذا غياب أية أشارة صريحة لحقيقة إدخال كل من الترجمة والتأويل وجعل المترجمين والمؤُولين غير معروفين ؟ هل أن هذه النشاطات كلها قام بها الصحفيون أنفسهم من دون إشراك مترجمين و / أو مؤٌولين مهنيين ؟ إذا كان الجواب بالإيجاب فبماذا تخبرنا هذه الممارسة حول وضع الترجمة والتأويل ؟ ما العواقب المترتبة على تعريف الترجمة والتأويل ضمن نطاق اختصاص دراسات الترجمة أو الترجمية ؟

هذه الأسئلة التي نتمكّن من تقديم الإجابة القطعية عنها . وفي الحقيقة فإن الكثير من النشاطات التي جرت في سياق ترجمة وسائل الأعلام لم يتم التحقق منها بعمق كاف إلا إن انتباه الباحثين في مجال الدراسات الترجماتية لا يزال منصبّا على هذه المسألة . وأظهر بحث حديث أن الترجمة غير منظورة في تقارير وسائل الأعلام على الرغم من إن تطبيق الترجمة في كتابة تقرير حول كلمات السياسيين لا تزال مألوفة .

وفي عام (2003) بدأ كل من بيلسا  وباسنيت بمشروع يموّله مجلس بحوث الآداب والإنسانيات في المملكة المتحدة للتحقق من كيفية عمل وظائف الترجمة في نقل الأخبار عبر الحدود اللغوية والثقافية وتفحصت دراستهما عام (2009) الطرائق التي تستخدمها وكالات الأنباء في الترجمة وتوصلا إلى استنتاج  مفاده أنه لا توجد هنالك ثوابت واضحة لتدريب المترجمين أو لتقديم جودة الترجمة وأدائها . إلا أن هناك مواقف غامضة موجودة في عالم تقارير الأخبار توضح الإخفاق الذي تشهده البحوث في مجال الصحافة ودراسات الصحافة وعلاقتها مع الترجمة . ويعد هذا الغموض واضحاً من خلال تجنب استخدام كلمة " ترجمة " .

هذا من جهة ومن جهة أخرى غياب برامج تدريب المترجمين في مجال وسائل الأعلام وبخاصة فيما يتعلق بالأخبار .

إلا إن هذا الغموض يعد مثيرا للدهشة عندما نفكر في  ان ما يجري في ترجمة الأخبار : إجراء مقابلة معينة يتم اختصارها ومن ثم إعادة صياغتها بلغة أخرى ويتم تحويلها إلى وكالة الأنباء بلغة أخرى ويتم تكييفها للأسلوب المتبع في دار النشر المعني ويتم في كثير من الأحيان اختصارها لكي تلائم المساحة المخصصة لها في الصحيفة . وبعبارة أخرى، هنالك الكثير من العمليات النصية المعقدة التي  تتم بين اللغات وفي دواخلها ولذلك فان ذلك ليس ممكنا فقط وإنما هنالك عشرات الآلاف من الكلمات الواردة في لغة ما تجد طريقها للنشر بلغة أخرى وكأنها قصة قصيرة لا تتضمن أكثر من (200) كلمة . وهنالك عامل آخر في غاية الأهمية يتمثل في السرعة التي ينبغي من خلالها معالجة الأخبار وخاصة في مجال الترجمة. وليس بالإمكان تجاهل هذا العامل . وان مثل هذه الممارسات تثير سؤالاً يتعلق بإمكانية تطبيق الترجمة على الأخبار طالما أن ما يحدث لا يلائم كثيراً نشاط الترجمة بين اللغات وإنما تصبح المسألة تأويلاً أكثر مما هي ترجمة .

الترجمة

في كثير من الأحيان لا يشعر بعض الناس بحقيقة معينة  عند قراءتهم لأي نص بأنهم يقرؤون نصاً مترجماً ، فإذا ما أصبحوا على بيّنة من هذه الحقيقة سيكون سبب ذلك الإشارة الواضحة إلى الترجمة السيئة أو الأخطاء التي تتضمنها الترجمة . ففي مثل هذه الحالات تعد الترجمة أولا وقبل كل شيء تغييراً في اللغة وهي عملية تتمثل باستبدال كلمات وتعابير من لغة إلى أخرى باستعمال كلمات وتعابير لغة أخرى .

وكما هو معروف إن كلاً من الترجمة والتأويل معروفة منذ قرون . وهنالك تقليد عريق من التفكير والآراء حول الترجمة تم التعبير عنها خلال هذه القرون . وعلى كل حال، نجد أنه في أواسط القرن العشرين بدأت دراسات الترجمة تشهد تطوراً كبيراً بأعتبارها اختصاصاً أكاديمياً . وثم بعد ذلك صياغة مبادئ نظرية التي غدت أساساً لوصف الترجمة وتعليمها . وتمت دراسة الترجمة كنتاج مميز وكأجراء معرفي وكنشاط اجتماعي- سياسي مع قيام كثير من الباحثين بدراسة هذا الميدان من زوايا عديدة ومختلفة ومفاهيم مختلفة .

 ففي الخمسينيات والستينيات كانت الترجمة تؤخذ ضمن إطار علم اللغة وتمت دراستها كظاهرة لغوية وعملية نقل معنى عبر فك الرموز اللغوية . ومنذ السبعينيات بدأت دراسات الترجمة تتبنى وتتكيف للدراسات اللغوية النصية والبراجماتية(التداولية) وتحليل الخطاب وعلم اللغة الاجتماعي ودراسات التواصل اللغوي . وبناء على ما تقدم، تم تعريف الترجمة بكونها نتاج نص. اذ انتقل النص إلى محور الاهتمام وبدأت جوانب عديدة تؤدي دورها وانعكاسها على الترجمة مثل النصية والسياق والجانب الحضاري والوظيفية وأنواع النص . وفي نهاية السبعينيات تم أكمال المناهج المتمحورة نحو النص الأصل بمنهجيات وظيفية والتي شرع فيها فيرمير (Vermeer) عام 1978 مع  (نظرية Skopos  )أي النظرية الموضوعية والغرضية وتعرف ايضاً نظرية المنتهى او الهدف المنشود في الترجمة . ( إن كلمة Skopos مشتقة من كلمة يونانية هي  "  "Skopos  تعني الغرض أو الهدف أو الغاية). ومن جهتها عرّفت المنهجيات الوظيفية الترجمية بكونها نشاط معرفي له غاية معينة أو عمل ترجماتي شرعت به هيئة خاصة بالترجمة تهدف إلى غرض خاص وتم تحقيق ذلك بواسطة مترجم وخبير في أنتاج النص .

 أما الدافع الرئيس  الآخر فقد جاء في دراسات الترجمة الوصفية التي تم اشتقاقها من الأدب المقارن ، وعندما قام هولمز بتوضيح ما أطلق عليه دراسات الترجمة أو علم الترجمة والترجمات "Translatology-Traductologie"  وصف  هدفين رئيسين هما :

(1)       وصف ظواهر في الترجمة والترجماتية مثلما تعبّر عن نفسها في عالم الترجمة .

(2)       إقامة مبادئ عامة التي بوساطتها يمكن توضيحها ومن خلال الوصف المقارن لترجمات النص الأصلي نفسه أما بلغة واحدة أو بلغات متعددة وتم توضيح ذلك من خلال الكيفية التي بوساطتها تؤثر الظروف التاريخية على السلوك الترجماتي . وتم فهم السلوك ألترجماتي ، كسلوك اجتماعي تمت هيكلته سياقياً وتحكمه معايير معينة.  وهنالك منظور تجريبي وتاريخي قام بدراسة موقف الأدب المترجم في ثقافة معينة وفي زمن معين وكذلك وظيفته فيما يتعلق بتلك الثقافة فضلا عن العوامل الأيديولوجية والاقتصادية على إنتاج الترجمة واستقبالها .

وفي بداية التسعينات تأثرت دراسات الترجمة والى درجة كبيرة بالدراسات الحضارية والأنثروبولوجية والنظريات ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية وما بعد الاستعمارية وعملت هذه المنهجيات على إتباع اتجاهات وأجندات مختلفة . ولكن على الرغم من ذلك هنالك ، مثلما أكد آروجو (1998) ، قواسم مشتركة ، وأرضية مشتركة لإمكانية إيجاد معنى ثابت وموجود في النصوص ويمكن أن تتكرر في أماكن أخرى دونما أي تدخل من قبل الأفراد وكذلك أثر الظروف السياسية والأيديولوجية والتاريخية والثقافية .

ومن جهة أخرى،  تم تعريف الترجمة على أنها صيغة من تحويل منتظم وتطبيق سياسي - اجتماعي . ولذلك من الممكن أن تكون الجامعة صيغة من العمل السياسي والتزاماً يهدف الى التغلب على التبادلات الثقافية غير المتناسقة . ونتيجة لذلك ،وفي النظريات ما بعد الحداثة تم استبدال المفهوم التقليدي للمترجم كناقل غير مرئي للمعاني بالتدخل المرئي، وتم توضيح هذه المفاهيم من قبل تيموكزو وجنتزلد وعلى النحو الآتي :

ليست الترجمة بكل  بساطة عملاً لإعادة إنتاج يتصف بالأمانة وإنما هي عملية انتقاء وتعشيق وتجميع وهيكلة و  " فبركة " بصورة واعية ومتعمدة  وحتى  في بعض حالات "التزوير" ورفض المعلومات وخلق رموز سرية .

وباختصار لم تعد دراسات الترجمة تهتم في الوقت الحاضر بتفحّص فيما إذا كانت الترجمة "أمينة"  مقارنة مع النص الأصلي . وبدلاً من ذلك أنصبّ الاهتمام على التطبيقات الاجتماعية والثقافية والتواصلية  وعلى الأهمية الثقافية والأيديولوجية للترجمة والنقل وعلى السياسات الخارجية للترجمة  والعلاقة بين سلوك الترجمة والعوامل الاجتماعية والثقافية. وبعبارة أخرى ، هناك اعتراف عام بتعقيد ظاهرة الترجمة مع زيادة التركيز على الجانب الإنساني والاجتماعي ونتائج ذلك أكثر مما تركز على البنية الداخلية . وقد تم مؤخراً تطبيق المنهجيات السوسيولوجية على دراسة الترجمة مستندين على انجازات بورديو (2007 Bourdieu ) . وبهذه الطريقة يمكن التوصل إلى تطبيقات مؤسساتية وكذلك التوصل إلى بناء علاقات محددة في مجال الترجمة . ان هذه العوامل وثيقة الصلة بالترجمة التحقيقية في وسائل الأعلام وفي سياق المؤسسات السياسية ( مثل الحكومات والأحزاب السياسية والسفارات ) .

الترجمة والسياسة

تؤدي الترجمة دوراً سياسياً مهماً جداً في صنع السياسة الدولية والدبلوماسية ( وعلى سبيل المثال توقيع عقود ثنائية أو متعددة الأطراف وإلقاء الخطابات خلال زيارات دولية ) وكذلك في صنع السياسة الوطنية ( وبصورة خاصة للدول ثنائية اللغة أو متعددة اللغات بصورة رسمية ) وكذلك في اتخاذ القرارات السياسية المتعلقة بالأقليات العرقية والمهاجرين في دولة أحادية اللغة رسميا وترجمة مختلف الوثائق إلى لغات طوائف وأقليات  .

إن للمنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوربي لغاتهم وسياستهم الخاصة بالترجمة ولهم أقسام الترجمة الخاصة بهم والتابعة لهم . ففي منظمة الأمم المتحدة تعد اللغات العاملة هي الانكليزية والفرنسية والأسبانية والروسية والصينية. وبالمقابل تعدّ اللغتان الانكليزية والفرنسية  اللغتين الرسميتين في الأمم المتحدة . وفي الاتحاد الأوربي تعدّ جميع اللغات الوطنية للدول الأعضاء لغات رسمية استناداً إلى السياسة اللغوية للاتحاد الأوربي . ويحق لمواطن أية دولة عضوة في الاتحاد الأوربي استعمال لغته الوطنية في التواصل في جميع مؤسسات الاتحاد الأوربي . وبسبب هذه السياسة ، توسعت أقسام الترجمة والتأويل بدرجة كبيرة . وقام كوسكيننن (koskinen2000) بتقسيم الترجمة في مؤسسات الاتحاد الأوربي الى مجموعتين : التواصل الداخلي والتواصل الخارجي بالاستناد إلى المنتجين والمخاطبين ووظائف النصوص ( على سبيل المثال إن الترجمة المؤسساتية الداخلية تستعمل ضمن أطار المؤسسة نفسها أو الترجمات التي تتم ضمن إطار مؤسسات الاتحاد الأوربي التي تهدف إلى التواصل مع الجمهور العام كصيغة للتواصل بين الثقافات).

وعندما يتعلق الامر بالسياسة الخارجية للدول الفردية تصبح الترجمة ملائمة لتوجيه خطابات خلال  زيارات الدولة . إن الترجمة قبل هذه الخطابات تكون متاحة ومتوفرة على مواقع شبكة الانترنيت أو السفارات وحتى يتم طبعها في نشرات أو في وسائل الأعلام . وبهذه الطريقة يمكن للحكومة أن توصل أهدافها السياسية وقراراتها إلى العالم الخارجي . وكما يتم تقديم الأهداف السياسية وقرارات الدول الأجنبية إلى الحكومات بواسطة الترجمة . ونذكر على سبيل المثال يقوم قسم المراقبة في هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) بترجمة نصوص إلى الانكليزية لحكومة المملكة المتحدة . وهكذا نجد أن الترجمة تلعب دوراً كبيراً في تصدير النصوص السياسة واستيرادها .

إن الترجمة التي غالبا ما لا تكون متطورة في مجال السياسة تعد جزءًا لا يتجزأ من النشاط السياسي . إن عملية اختيار النصوص لترجمتها هي في الحقيقة قرار سياسي كما أن اختيار اللغة التي تترجم إليها هي الأخرى قرار سياسي . على سبيل المثال، أصبحت مواقع الانترنت للحكومات متعددة اللغات بدرجة أكبر ولكن لا يعدّ أي نص متاح في لغة الأصل موجوداً في لغات أخرى . وتمنح مواقع الانترنت الخاصة بالحكومة الألمانية روابط إلى اللغة الانكليزية والفرنسية ولمواقع الانترنيت للحكومة الأسبانية رابط مباشر مع النسخة الانكليزية . وإذا ما نظرنا إلى نسخ اللغات الأخرى عن كثب سوف نلاحظ أنه لم تتم ترجمة سوى نصوص محدودة . وبالنسبة للحكومة الألمانية على سبيل المثال ، هناك مزيد من النصوص تمت ترجمتها إلى الانكليزية أكثر مما ترجمتها إلى الفرنسية إذ ان النسخ الانكليزية متوفرة أكثر من النسخ الفرنسية في حين أن موقع حكومة المملكة المتحدة لا يعطي إلا النسخة الانكليزية فقط ولكن عام (2007) تم تقديم معلومات عامة حول هيكل الحكومة بالفرنسية والألمانية والأسبانية في حين إن الخطابات التي تلقى من قبل الوزراء الألمان مترجمة وموجودة في  مواقع الانترنت للحكومة إلا أن ذلك لا ينطبق على موقع الانترنت التابع لحكومة المملكة المتحدة . وعلى كل حال، يمكن قراءة خطاب رئيس الوزراء البريطاني مترجماً الى الألمانية في السفارة البريطانية في ألمانيا وتعد مواقع الانترنت التابعة للسفارات ثنائية اللغة وتقدم كماً هائلاً من الخطابات التي تلقى من قبل السياسيين إذ إن هذه الخطابات تمت ترجمتها .

لا يوجد بحث مفصّل حول سياسات الترجمة الحالية للحكومات الوطنية أو الأحزاب السياسية الوطنية أو السفارات . ومن وجهة  نظر دراسات الترجمة أو علم الترجمة يمكن أثارة الأسئلة الآتية : من الذي  يقرر أن تكون مواقع الانترنت للمعلومات ووزارات الحكومة والأحزاب السياسية متاحة للجميع ؟ من يقرر اللغة التي تترجم إليها النصوص ؟ من يقرر ترجمة النصوص ؟ من يترجم النصوص طالما أن للحكومات والأحزاب السياسية اقسامها الخاصة بها في مجال الترجمة ؟ هل إن حاجات الترجمة تحال إلى شركات ؟ وعلى هذا الأساس ما هي المعايير المعتمدة لأحالة  الترجمة إلى الشركات وكيف يتم انتقاء الشركة ؟ هل إن النصوص تتم ترجمتها من قبل السياسيين أو / و المستشارين السياسيين و /أو الكادر المتخصص نفسه ؟ إذا كانت الإجابة بالإيجاب ما هي أنواع النصوص وما هي أسباب ترجمتها؟ من يقرر النصوص المستعملة في الترجمة لأغراض داخلية فقط ؟ هل أن السياسات المتبعة والإجراءات ملائمة لعملية ترجمة النصوص إلى لغات أجنبية ؟ على سبيل المثال ، على أساس أية معايير تتم ترجمة خطابات رئيس  الوزراء البريطاني إلى لغة ( أو لغات ) أخرى ؟ وعلى أساس أية معايير تتم ترجمة خطابات السياسيين إلى الانكليزية ومن قبل من ؟

وفي السنوات الأخيرة ذكرت وسائل الإعلام أنه بسبب ارتفاع كلفة الترجمة عمدت حكومة المملكة المتحدة غلق أقسام معينة للترجمة أو عملت على دمجها . وعلى سبيل المثال قام قسم النقل بغلق خدمات الترجمة في أواسط التسعينيات. وفي عام (2006) قامت الحكومة بإعلان مناقصات خاصة بالترجمة وفعلا قامت شركات الترجمة في المملكة المتحدة بتوقيع اتفاقيات مع الحكومة لغرض الترجمة .

إن تحليل مواقع الانترنت الحكومية التي ترتكز على النصوص المتوفرة يؤدي إلى إثارة المزيد من الأسئلة التي تستحق المزيد من التوضيح . على سبيل المثال يقوم موقع انترنت للحكومة بنشر مؤتمر صحفي بمناسبة زيارة رؤساء الدول باللغة الانكليزية حصراً . وحتى إذا كانت هناك إشارة إلى استعمال لغة أخرى كما هي الحال مع المثال أدناه من المؤتمر صحفي مع رئيس الوزراء في (9/7/2007) في لندن لا يوجد أية إشارة واضحة إلى الترجمة أو التأويل :

رئيس الوزراء " سيداتي وسادتي يسرني ان يكون رئيس مجلس الاتحاد الأوربي للوزراء أول زائر أجبني رئيس وزراء البرتغال اشكر رئيس الوزراء . سوف أتحدث باللغة البرتغالية إذا لم يزعجكم ذلك وسيكون ذلك أفضل لي ولكم سوف أبدأ بتوجيه الشكر إلى رئيس الوزراء لدعوتي إلى هنا ".

إن إعلان رئيس الوزراء البرتغالي تم إعطاءه باللغة الانكليزية فقط ولا يمكن التوصل إلى النص الأصلي بالبرتغالية . على الرغم من أنه واضح من خلال هذا الاقتباس إلا أنه غير مرئي على شبكة الانترنت .

وعندما نجري تحليلاً مقارناً بين الحكومتين الألمانية والأمريكية نجد اختلافاً في المؤتمر الصحفي .إن موقع شبكة الانترنت للحكومة الألمانية يتضمن المؤتمر الصحفي مع رؤساء الدول الأجانب الذين يقومون بزيارة ألمانيا بالألمانية مع وجود جملة في الزاوية العليا اليمنى تشير إلى أن نقل النص الأجنبي يتم بصورة فورية . أما موقع الانترنت التابع للحكومة الأمريكية فأنه يضع عبارة بين قوسين  "مثلما ترجم"  وهذا أمر واضح عندما رحّبت المستشارة الألمانية بالرئيس الأمريكي عام (2006).

وعلى كل حال هناك اختلاف مهم في نصوص المؤتمر الصحفي : في الوقت الذي يقوم موقع الانترنت التابع للحكومة الأمريكية بإعطاء ترجمة حرفية هناك مراجعة النص في موقع الانترنت التابع للحكومة الألمانية . وتعكس لنا النصوص حقيقة مفادها أن الخطاب الذي يوجّه شفويا من قبل المتحدثين تجري عليه عملية تصحيح أسلوبي وقواعدي عندما يصبح نصاً مكتوباً . ومن الممكن أن نلاحظ وجود بعض الاختلافات في النصوص المنشورة في موقع الانترنت إذ إن النص في موقع الانترنت التابع لحكومة الولايات المتحدة يشابه النص الشفوي في حين  إن النص الموجود على شبكة الانترنت التابع للحكومة الألمانية جرت عليه تصحيحات  أسلوبية وقواعدية .

وكما هو معروف إن المؤتمرات الصحفية غالباً ما تكون متوفرة على شبكة الانترنت يضاف إلى ذلك ان الصحفيين الذين يحضرون المؤتمرات الصحفية يقومون بكتابة تقارير حول المؤتمر وتنشر في وسائل الإعلام ، وهذا يعني الكتابة في الصحف لدولة ثالثة مما يجعل عملية الترجمة واللغة أصلاً أكثر تعقيداً .على سبيل المثال، إذا كان هناك صحفي فرنسي يعمل في صحيفة فرنسية ويحضر مؤتمراً صحفياً في ألمانيا بمناسبة زيارة دولة ألمانيا من قبل رئيس الوزراء الايطالي. ففي المؤتمر الصحفي تستعمل اللغة الايطالية ولكنها مترجمة الى الألمانية وعلى الصحفي الفرنسي إن يفهم الألمانية و/أو الايطالية عندما يقوم بالترجمة من الألمانية و/ أو الايطالية إلى الفرنسية أو أن يعتمد على ترجمة لاحقة للنص في المؤتمر الصحفي إلى الفرنسية لكي يكتب تقريرا للصحيفة الفرنسية . وطالما إن التأويل أو الترجمة لم يتم تقديمها في المؤتمر الصحفي للصحفيين الأجانب فأنه يتوقع من الصحفيين أن يفهموا لغة الدولة المضيفة أو على الأقل أن يفهموا لغة الضيف الأجنبي . ويوضح هذا السيناريو العلاقة بين وسائل الإعلام والسياسة والترجمة . إن وسائل الإعلام ليس لها فقط الدور في نقل المؤتمر الصحفي ولكن أيضا تمكّن السياسيين من تقديم آرائهم بصورة مباشرة للقراّء في صفحات الصحيفة أو في التلفاز ( وأفضل مثال هو المقابلات شريطة ان لا يتم اختصارها ). وكما أسلفنا ينبغي على الصحفي أن يلعب دور الوسيط بين السياسيين والجمهور ، وفي هذا الدور التوسطي عبر الحدود اللغوية والثقافية والإيديولوجية تحصل بعض التحولات في عمليات اعادة هيكلة السياق وتكون ذات أهمية سياسية ويمكن أن تنتج من تأويلات مختلفة للحدث السياسي نفسه من قبل القراّء في دول مختلفة وحتى في الصراع ذاته .                       

 الخطاب السياسي ووسائل الإعلام والترجمة

إذا أجرينا مقارنة لنسخ في لغات مختلفة للنص نفسه في وسائل إعلام مختلفة يمكننا ملاحظة بعض التغييرات التي يتعذر توضيحها بصورة دقيقة مع الإشارة إلى ألأسباب الأسلوبية. لنأخذ مثالين : المثال الأول يتناول الفقرة الاستهلالية لمقالة مشتركة من قبل وزير الخارجية الفرنسي برنارد كوشنير وسكرتير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية ديفيد ماليباند والتي نشرت باللغة الانكليزية في صحيفة انترناشينال هيرالد تريبيون (14/10/2007) ثم أصبحت متاحة بالترجمة الألمانية على موقع الانترنت التابع لسفارة المملكة المتحدة  في ألمانيا وباللغة الفرنسية في المملكة المتحدة . عند مقارنة النصين نجد اختلافاً معيناً إذ إن النص الألماني الكامل لا يعكس دور النظام السياسي الذي هو موضوع المؤتمر وقد اختار المترجم هذه الإستراتيجية بصورة متعمدة ليعكس موقفه السياسي والتزامه . أما المثال الثاني فقد تم التعبير عنه بصورة مختلفة في  وسائل الإعلام وذلك من وجهة نظر المحتوى والشكل والكم والتركيز. ويلاحظ أيضا وجود تغييرات في البنية الدلالية والنحوية مع تغير في التركيز والتقييم . فقدمت صحيفة انترناشينال كليرينج هاوس قائمة أعمال تحدث في أمريكا الشمالية فحواها ان هذه الأعمال لا تلائم المجتمع الديمقراطي ونجد أن النسخة الانكليزية قريبة من النسخة الروسية  وتم استعمال القائمة ذاتها في التايمز والفيغارو .

إن ما تقدمه هذه الأمثلة يؤكد على  ان وسائل الإعلام تلعب دوراً مهماً في  نقل المعلومات حول السياسات والأحداث السياسية في الدول الأخرى وهذا بدوره يؤثر كثيراً على انطباعات الجمهور وردود أفعاله كما يؤثر ذلك أيضا على عمل السياسيين.  ويمكن القول انه من دون وسائل الإعلام سوف لا يكون هناك سياسة ولا علاقات دولية . وعلى كل حال، فإن كتابة التقارير حول السياسة تتضمن إعادة هيكلة السياق للأخبار والمعلومات وفي الغالب يتم تقديم المعلومة من منظور مختلف .  

[1] Christina Schäfner and Susan Bassnet : Politics Media and Translation Cambridge Scholars Publishing , Newcastle , UK.2010الترجمة والخطاب السياسي ووسائل الأعلام

كريستينا شافيز وسوزان باسنيت ([1])

مقدمة

اعتادت صحيفة يوروبيان فويس الأسبوعية نشر مادة بعنوان (( ما تقوله الصحافة )) معلّقة على أحداث سياسية معاصرة مثلما يتم نشرها في صحف وطنية عديدة . والمثال الذي نقدمه مهم لأسباب عديدة. :

أجرى المستشار الألماني السابق كيرهارد شرويدر مقابلة مع صحيفة الفيغارو الفرنسية وردا على سؤال طرحته الفيغارو أجاب شرويدر قائلا : " بصورة مطلقة " آه " انتظر ، ربما لا يتحدث الفرنسية" ،  فقط في قسم الطاقة أكثر وضوحا هكذا قال " بصورة محتملة"  قالها بالألمانية  أما بالنسبة للبقية ما هو الخيار ؟ يعود الأمر إلينا لتستجيب بصورة ايجابية (يوروبيان فويس 16 / 11 / 2006 ) ص 14 .

  إن الملاحظة في هذا المثال هي تقرير حول مقالة نشرت في صحيفة فرنسية " لوفيغار" حيث قام صحفي فرنسي باجراء مقابلة مع المستشار الألماني السابق وسياسي ألماني علما أن أصل المقابلة سبق وأن تم نشرها على شكل تقرير يتضمن إجابات مباشرة من قبل المستشار الألماني السابق . ومن جهتها قامت يوروبيان فويس بكتابة تقرير حول المقابلة مع اختيار مقتبسات من النص الأولي. وفي الحقيقة لم تنشر الفيغارو النص الكامل للمقابلة . وعلى كل حال يلعب اختيار الأخبار دوراً كبيراً كما هي الحال مع النص الأصلي . وكما هو معروف، نشرت الفيغارو المقابلة باللغة الفرنسية على الرغم من عدم وجود أية معلومات واضحة حول اللغة التي جرت فيها المقابلة الأصلية . وقامت يوروبيان فويس بتقديم نسخة بالانكليزية مأخوذة من النص الفرنسي أي أنها مترجمة عن الفرنسية ، ويوضح لنا هذا المثال أنّ كلاً من الترجمة والتأويل كان لهما دورهما في هذا الموضوع. .

 ومن المحتمل أن معظم القراّء ليسوا على بيّنة من الدور الذي تؤديه الترجمة في نقل الأخبار العالمية ولكن مثلما يوضح لنا هذا المثال هنالك علاقة مباشرة ربما غير مرئية بين السياسة ووسائل الأعلام والترجمة ، إن العملية التي تتم من خلال تقارير وسائل الأعلام هي في الحقيقة عبارة عن أشكال من إعادة  هيكلة السياق وهذا بدوره يعني التحولات التي تتم على النص . وفي الحقيقة تعد عملية أعادة هيكلة السياق والتحول معقّدة عندما يتعلق الأمر بالترجمة لأن وسائل الأعلام تقوم بنقل تقارير عبر حدود اللغة . ولهذا السبب سوف نسلّط الضوء في قادم الصفحات وبصورة مفصلة على العلاقة الموجودة بين الترجمة والسياسة ووسائل الأعلام .

السياسة والخطاب السياسي

كما هو معروف للجميع أن أرسطو عرّف الكائنات البشرية على أنها حيوانات سياسية تعيش تحت ظل دولة ، وان أية مجموعة بشرية تتصف بالتفاعل والعلاقات بما فيها علاقات السلطة . ولهذا السبب أوضحت الدراسات السياسية العلاقة بين السياسة والسلطة . وتحدث شيلتون (2004) حول الموضوع من زاويتين :

من جهة، يُنظر الى  السياسة على أنها صراع من أجل السلطة بين أولئك الذين يسعون للامساك بها  والحفاظ عليها وأولئك الذين يقاومون هذا الاتجاه. ومن جهة أخرى، يُنظر إلى السياسة على أنها تعاون من أجل إيجاد حلول لأية صراعات تحدث في المؤسسات والمجتمع على حد سواء وبخاصة في مجال المال والتأثير والحرية وما شابه ذلك .

وعلى كل حال ، إذا تعلق الأمر بالصراع أم بالتعاون لا يمكن التعامل مع السياسة بدون اللغة . فالتفاعل الإنساني والعلاقات الإنسانية محرّكها الأول اللغة ويستند هذا التفاعل إلى ظروف اجتماعية وثقافية وتاريخية وإيديولوجية ومؤسساتية . وفيما يتعلق بالسياسة، يمكننا القول أن الأوضاع السياسية الخاصة والإجراءات والنشاطات التي تتم (مثل المناظرات البرلمانية والنشاطات الصحفية والإعلامية ) تجد تنظيم الخطاب والتركيب النصي لأنواع الخطاب المختلفة والتي يشكّل منها الخطاب السياسي صيغة معقّدة للنشاط الإنساني .

ومن وجهته اقترح بوخارت (1996) تمييزا مفصّلاً بين الحديث عن السياسة ( مثل عندما يتحدث الناس العاديون في النوادي حول نتائج الانتخابات ) وبين الخطاب السياسي في وسائل الأعلام ( مثل الخطاب الذي يتناول المؤسسات السياسية ) . إذن قدم لنا نوعين من الخطاب الأول هو الحديث العام بين الناس حول السياسة والثاني هو الخطاب السياسي ولكل من الخطابين ميزتهما وخصائصهما . وفي الحقيقة يختلف الخطاب السياسي عن الحديث العام حول السياسة إذا أنه ينقسم إلى أنواع عديدة وأنه موجّه دائما من قبل السياسيين ( مثل البيان السياسي لحزب سياسي وهو متعلق بصنع السياسة والنوع الثاني يتعلق بتوضيح القرارات السياسية وتبريرها . الأول موجّه من قبل رجال السياسة وموجّه إلى رجال السياسة أما الثاني فأنه موجّه من قبل رجال السياسة إلى الجمهور ( مثل الخطاب الموجّه في الحملة الانتخابية والخطاب الذي يلقيه رئيس الدولة بمناسبة العام الجديد  .)

وسائل الإعلام

فضلا عن الدولة والجمهور، نجد وسائل الأعلام التي تعد لاعباً رئيساً في التواصل السياسي وقد أُطلق عليها " السلطة الرابعة"  إذ أن الصحافة ووسائل الأعلام بصورة عامة تصل إلى أوسع جمهور في بلدان العالم فضلا عن السرعة التي يتم بها إيصال الرسالة وهذه هي السمة الأساسية التي تحكم التطبيقات الصحفية . وفي يومنا هذا نلاحظ أن الأخبار مستمرة خلال (24) ساعة إذ إنها تصل في لحظة حصول الحدث دونما أي تأخير .

ومن الأهمية بمكان ان نشير الى ان السنوات الأخيرة  شهدت تقدماً كبيراً في مجال دراسة وسائل الإعلام . ففي المقام الأول نلاحظ أن الصحافة المكتوبة تمثل أساساً للتحليل النقدي في حين أن هنالك دراسات عديدة ركّزت على لغة الصحافة مع إلقاء الضوء على النواحي الأسلوبية والنحوية والمعجمية . وأظهرت الدراسات المقارنة اختلافات في جودة الصحافة، ولا بد من التركيز على جانبين مهمين هما الأخلاقيات الصحفية وحقيقة الخبر ونقله بأمانة . والنقطة الأخرى الجديرة بالملاحظة هي تحليل الأيديولوجية التي تعكسها الصحافة والتراكيب النصية . وعلى سبيل المثال، أوضح العديد من المؤلفين كيف تم عكس الأيديولوجيات في الصحافة مع تفحّص دقيق للجوانب اللغوية المستعملة في النص .وعندما قام فان ديجك بتحليل الأخبار أكد على خمس عمليات رئيسة هي الانتقاء والإنتاج والاختصار والتحول المحلي ( الإضافة والحذف والتعديل والاستبدال )  وأخيرا الصياغة الأسلوبية والبلاغية . وهذه العمليات مشابهة جدا لسياسة إعادة هيكلة السياق وتضمنت الحذف والإضافة وإعادة الترتيب ويمكن استخدامها لغرض وصف الإنتاج الصحفي عبر الحدود اللغوية كما سوف نلاحظ ذلك لا حقا .

لقد تم إكمال تحليل الصحافة المكتوبة من خلال دراسات وسائل الأعلام المسموعة  والمرئية مثل الراديو والتلفزيون مبيّنا كيف تم نقل  الرسائل المكتوبة وغير المكتوبة  وكيف كان أثرها على الجمهور . فأن كل النشاطات التي تعرض في وسائل الأعلام ذات معنى من جهة وتؤدي وظائف محدودة من جهة أخرى . وفي الوقت الحاضر، بدأ الانتباه ينصبّ على "وسائل الإعلام الحديثة"  المتمثلة بالانترنيت بصورة خاصة . والتحليلات هنا ذات طبيعة بنيوية تتفحّص الكم الهائل من الأخبار وتصنيفها وجمع العناصر المكتوبة وغير المكتوبة في الخطاب متعدد الأنماط . ويتعلق الجانب الثاني الذي تم التركيز عليه بإمكانية وصول المعلومات إلى الانترنيت واستعمال اللغات والسيطرة عليها .

 ومن جهته حدد بيد ناريك  (Bednarek 2006) ثمانية منهجيات تحليلية خاصة بلغة خطاب الأخبار وهذه المنهجيات هي : المنهج النقدي والمنهج السردي / البراجماتي"التداولي" / الأسلوبي والمنهج اللغوي المدوّن والمنهج المتمركز نحو التطبيق والمنهج المتعلق بالتطورية اللغوية والمنهج الاجتماعي - اللغوي (أو المنهج الخاص بعلم اللغة الاجتماعي Sociolinguistics) والمنهج المعرفي والمنهج الحواري . وقام كل من فيتزر ولورباك (2007) بإدخال التحليل المقارن عبر حدود اللغة مع التركيز على تحقيق سمات استدلالية خاصة في اللغات . وعلى كل حال فإن الترجمة لها مكانتها وسط كل هذه المنهجيات على الرغم من أننا سوف لا نتطرق إليها بعمق كبير .

الخطاب السياسي ووسائل الأعلام

تقدم وسائل الإعلام تقارير حول مختلف المواضيع ونجد عدداّ من الأنماط المختلفة يتم تقديمها في وسائل الإعلام المطبوعة . حيث أنها تقدم التقارير الرياضية وحالة الطقس والأبراج وغيرها . فضلا عن عدد كبير من النصوص التي تتعلق بالمواضيع السياسية . وتوضع هذه المواضيع عادة على الصفحات الأولى للصحف مع مقالات افتتاحية وتعليقات .إن هذه الأنواع من المقالات والتعليقات لا تقدم تقريراً حول السياسة بطريقة محايدة وإنما تقدم تقييما يمكن أن يكون له تأثير على الرأي العام حول السياسة وصنعها . وهنالك عدد من الحالات التي كان لنشرها نتائج ربما خطيرة جاءت نتيجة تحقيقات صحفية أدت إلى استقالة سياسيين كبار ولعل فضيحة ووترغيت خير دليل على ذلك . والفضيحة الأخرى ما يتعلق بالنفقات الخاصة بأحد أعضاء البرلمان البريطاني .

 وعلى الرغم من أن المقالات الافتتاحية تقدم أرضية للمعلومات والأخبار وهي في الحقيقة عبارة عن تقييم للحدث السياسي فأن الحدث نفسه لم يتم طرحه إلا بصورة مقتضبة . وتعمل المقالات الافتتاحية عادة على إعادة هيكلة سياق أخبار القصة الموجودة. وبهذه الطريقة تعمل على نقلها وتقييمها أيضا مع إضافة بعض العناصر وحذف أخرى وإعادة ترتيب عناصر واستبدال أخرى. وتستعمل مثل هذه الاستراتيجيات الخاصة بإعادة الهيكلة السياقية في أنواع أخرى من الأخبار مثل تقارب الأخبار والمقابلات، ومتى ما يتم تقديم تقرير حول أحداث سياسية أو اقتباس من حديث سياسيين يتم نقل الخطاب السياسي إلى عملية إعادة هيكلته سياقياً . وبهذا يكون قد تم نقل الرسائل والمحاورات والمناظرات .             

وفضلا عن ذلك فإن التحولات اللغوية مثل التكييف وإعادة التركيب النحوي للجملة تعمل على أن تكون عملية أعادة الهيكلة السياقية بمثابة مصفاة وترشيح لمعنى خبايا الخطاب ويعمد التصوير ألإخباري في بعض الأحيان  عن طريق التقارير الصحفية إلى خلط كلام مباشر مع كلام غير مباشر لأحد السياسيين وخلط تقرير محايد مع تقييم لحديث رجل السياسة ومناقشة سياسة حكومته بصورة عامة . وفي كثير من الأحيان تتم إزاحة الخطاب الأصلي بصورة استدلالية عن سياقه الأصلي ويكون أساسا لردود أفعال نقدية. وكما نلاحظ أنه يتم توجيه النقد للحكومة بأكملها من خلال تصرف سياسي معين بحيث يؤدي هذا التصرف إلى فسح المجال أمام الصحفيين وغيرهم لتوجيه انتقادهم ضد الحكومة . ويتم إدخال الخطاب الجديد مع الخطاب الأصلي وعرضه بهذه الصورة . وهناك أيضا إشارة تناصية في الاقتباس وربما تكون هناك اشارة إلى نص لا وجود له أصلا . ففي حالة إعلان موازنة الدولة مثل ما حصل في بريطانيا هنالك تقارير صحفية لفترة ما قبل إعلان الموازنة وما بعدها .

إن الإشارة إلى خطابات من قبل السياسيين يمكن ملاحظتها في خطاب رئيس وزراء بريطانيا الأسبق توني بلير إذ إن السياسي يدرك تماما  أن وسائل الأعلام سوف تعلّق على خطابه وتعمد الصحافة إلى تعليم الجمهور كيفية تكوين ردود أفعاله ومن ثم التعبير عنها . إن مثل هذه الشواهد توضح بصورة جلية أن النصوص والخطابات تؤخذ من خطابات سابقة . وفي الغالب تعود الخطابات السابقة إلى نوع مختلف وربما أنه يعمل ضمن إطار سياق مختلف . وبهذه الطريقة تنتشر النصوص والخطابات بين مختلف الأنواع والسياقات ومجالات العمل وترتبط فيما بينها لتشكّل حلقات نصية أو حلقات الخطابات ، وعندما تدور أحداث في حلقة  وسائل الإعلام والحلقة السياسية فأنها تخضع لعملية تحول . وما يتم اقتباسه من نصوص في هذه الحلقات الخاصة بالخطاب يتم تحديده بصراع السلطة المحيطة بآراء خاصة  ومعتقدات وإيديولوجيات معينة . وهذا يعني أن أنماط معينة من التحولات التي تجري في إعادة هيكلة السياق تعتمد على أهداف السياق وقيمه وفوائده .

 وتحدث عملية هيكلة السياق عندما تقوم وسائل الأعلام بنقل أخبار الدول الأخرى . ففي هذه الحالات تصبح النصوص الأصلية أو الأحاديث التي أدلى بها السياسيون الأجانب بلغة مختلفة وهي اللغة التي يستعملها الصحفي في تقريره . وسوف يوضح لنا المبحث القادم عمليات إعادة هيكلة السياق عبر الحدود الأيديولوجية والثقافية واللغوية وسوف يتطرق أيضا إلى استراتيجيات التحول مثل انتقاء الأخبار والإضافة والحذف وإعادة الصياغة .

وسائل الأعلام والترجمة

"انها رغبتنا المشتركة .. اذ لدينا شفافية أكبر في الأسواق المالية"  هذا ما قالته انجيلا ميركل في حفلة عشاء في دار الضيافة شمال برلين .

في هذا الاقتباس، نلاحظ أن صحيفة أمريكية وهي "انترناشينال هيرالد تريبيون"  اقتبست باللغة الانكليزية ما قالته ميركل المستشارة الألمانية ثم عرض الكلمات ميركل بالكلام المباشر وهي ممارسة واسعة النطاق في التقارير الصحفية . ويعمل الكلام المباشر عادة على " شرعنة ما تم قوله" ويجب الإشارة إلى المقابلة التي أجرتها صحيفة " الفيغارو"  الفرنسية مع المستشار الألماني السابق شرويدر والتي ذكرت في بداية المقال وتعكس لنا إعادة هيكلة السياق عبر الحدود اللغوية . ولم يكن لدى القراء النص الكامل للمقابلة إنما تم إعطاء مقتبسات ( وهذه أمثلة لعملية انتقاء الأخبار ) وطالما أن النص الكامل للمقابلة غير متوفر يصبح من المستحيل الحكم على الكيفية التي تم فيها حذف الأخبار كما إنه من المستحيل أن نرى فيما اذا كان تسلسل المقابلة الحقيقية قد تمت إعادة ترتيبها في التقرير في الصحيفة . وفي كل حالة لا بد من اتخاذ قرار من قبل شخص ما بخصوص انتقاء الأخبار ومن ثم مضمون النص النهائي وبنائه مثلما تم نشره .

إن كلاً من اقتباس الأخبار والتقرير الذي ورد في أعلاه حول المقابلة عبارة عن أمثلة للتغيرات في التطبيق الاستدلالي أي من التصريحات في مؤتمر صحفي إلى اقتباس مباشر في تقرير حول المقابلة . ففي كلا الحالتين، تم تغير كلمات السياسيين إلى لغة أخرى تختلف عن اللغة التي تفوهوا بها في الأصل . وبعبارة أخرى، تم استعمال الترجمة والتأويل في الحالتين إلا إن هذه التطبيقات مخفية وليست ظاهرة . أي أنه لا توجد إشارة صريحة في النصوص الصحفية تؤكد على أن التصريحات التي أدلى بها كل من ميركل وشرويدر تم تأويلها و/ أو ترجمتها .ففي حالة المقابلات التي يجريها رجال السياسة مع وسائل الأعلام يتم تأويلها وكذلك تسجيلها ونتيجة لذلك فأن النص المسجل ( أي صوت المؤول ) قد تم فحصه و/ أو تعديله لأسباب أسلوبية . وهنالك ممارسة واسعة النطاق تتمثل في أن يقوم الذي أجريت معه المقابلة بتفحّص النص ويخوّل نشره . وعلى كل حال، تعدّ هذه الإجراءات صعبة التنفيذ إذ تم إدخال الترجمة والتأويل معاً . وفي هذه الحالة يقوم الخبراء أو المؤولين بهذه المهمة .

 كما لاحظنا سابقا ،  تتطلب إعادة الهيكلة السياقية  التغيير الذي تحدده الأهداف والقيم والفائدة . وينطبق ذلك على إعادة الهيكلة السياقية التي تستلزم  الترجمة . إن جميع هذه النشاطات ابتداءً  من القرار إلى التصوير حول الأعمال والأحداث في دولة أخرى ( ليس فقط الشؤون السياسية وأنما أي موضوع آخر ) والى إنتاج النص النهائي يتم تحديدها بالسياسات والأيديولوجيات المؤسساتية . وتقوم وسائل الأعلام بتمكين التواصل عبر اللغات والثقافات وعند القيام بذلك لا بد من إعطاء أهمية لمعلومة دون أخرى أو تقدم معلومة على حساب معلومة أخرى او من الممكن أن تعمل على منع معلومة  ما من النشر .

ومن جهته ناقش فيركلوف (2006) أنه عندما تتم كتابة تقرير حول الأخبار السردية فأن كل من شكلها ومضمونها سوف يطرأ عليهما تغيير حسب السياقات المعتمدة في مجال الأخبار السردية. والأكثر من ذلك ، في حالة تقديم تقرير حول الأخبار يمكن افتراض مسبّق لبعض المعلومات لأنها معروفة لدى الجمهور في الوقت الذي بمقدور المتحدث أن يقدم تفاصيل حول مواضيع لا يعرفها الجمهور . ولا بد من الإشارة إلى وجود دراسات عديدة حول الخيارات المتعلقة بالمعلومة التي يمكن إدخالها أو استبعادها أو المعلومة التي تكون صريحة أو ضمنية . فمن وجهة نظر الترجمة ودراسات الترجمة (  Translatology ) هنالك العديد من المسائل التي تعد وثيقة الصلة بهذا الموضوع . فإذا أعدنا النظر مرة أخرى في المقابلة التي أجريت مع شرويدر ونشرتها صحيفة " الفيغارو" الفرنسية يمكننا من طرح الأسئلة الآتية : بأية لغة تمت المقابلة أصلا ؟ هل تم تأويل المقابلة ؟ إذا كان الجواب بالإيجاب من الذي قدم المؤٌول ؟ وهل هنالك مؤٌول واحد أم أكثر ؟ من الذي قام بترجمة النسخة المكتوبة ؟ من الذي قام بتحويل المقابلة الشفوية إلى نص معد للنشر ؟ ما هي التحولات التي جرت على هذا الإجراء ؟ من الذي قرر أن يتم نشر المقابلة على شكل تقرير ؟ ومن قرّر اختيار هذه المعلومة للنص المنشور ؟ من الذي صادق على النص النهائي قبل ذهابه إلى الصحافة ؟ من قرّر ولماذا غياب أية أشارة صريحة لحقيقة إدخال كل من الترجمة والتأويل وجعل المترجمين والمؤُولين غير معروفين ؟ هل أن هذه النشاطات كلها قام بها الصحفيون أنفسهم من دون إشراك مترجمين و / أو مؤٌولين مهنيين ؟ إذا كان الجواب بالإيجاب فبماذا تخبرنا هذه الممارسة حول وضع الترجمة والتأويل ؟ ما العواقب المترتبة على تعريف الترجمة والتأويل ضمن نطاق اختصاص دراسات الترجمة أو الترجمية ؟

 هذه الأسئلة التي نتمكّن من تقديم الإجابة القطعية عنها . وفي الحقيقة فإن الكثير من النشاطات التي جرت في سياق ترجمة وسائل الأعلام لم يتم التحقق منها بعمق كاف إلا إن انتباه الباحثين في مجال الدراسات الترجماتية لا يزال منصبّا على هذه المسألة . وأظهر بحث حديث أن الترجمة غير منظورة في تقارير وسائل الأعلام على الرغم من إن تطبيق الترجمة في كتابة تقرير حول كلمات السياسيين لا تزال مألوفة .

وفي عام (2003) بدأ كل من بيلسا  وباسنيت بمشروع يموّله مجلس بحوث الآداب والإنسانيات في المملكة المتحدة للتحقق من كيفية عمل وظائف الترجمة في نقل الأخبار عبر الحدود اللغوية والثقافية وتفحصت دراستهما عام (2009) الطرائق التي تستخدمها وكالات الأنباء في الترجمة وتوصلا إلى استنتاج  مفاده أنه لا توجد هنالك ثوابت واضحة لتدريب المترجمين أو لتقديم جودة الترجمة وأدائها . إلا أن هناك مواقف غامضة موجودة في عالم تقارير الأخبار توضح الإخفاق الذي تشهده البحوث في مجال الصحافة ودراسات الصحافة وعلاقتها مع الترجمة . ويعد هذا الغموض واضحاً من خلال تجنب استخدام كلمة " ترجمة " .

هذا من جهة ومن جهة أخرى غياب برامج تدريب المترجمين في مجال وسائل الأعلام وبخاصة فيما يتعلق بالأخبار .

 إلا إن هذا الغموض يعد مثيرا للدهشة عندما نفكر في  ان ما يجري في ترجمة الأخبار : إجراء مقابلة معينة يتم اختصارها ومن ثم إعادة صياغتها بلغة أخرى ويتم تحويلها إلى وكالة الأنباء بلغة أخرى ويتم تكييفها للأسلوب المتبع في دار النشر المعني ويتم في كثير من الأحيان اختصارها لكي تلائم المساحة المخصصة لها في الصحيفة . وبعبارة أخرى، هنالك الكثير من العمليات النصية المعقدة التي  تتم بين اللغات وفي دواخلها ولذلك فان ذلك ليس ممكنا فقط وإنما هنالك عشرات الآلاف من الكلمات الواردة في لغة ما تجد طريقها للنشر بلغة أخرى وكأنها قصة قصيرة لا تتضمن أكثر من (200) كلمة . وهنالك عامل آخر في غاية الأهمية يتمثل في السرعة التي ينبغي من خلالها معالجة الأخبار وخاصة في مجال الترجمة. وليس بالإمكان تجاهل هذا العامل . وان مثل هذه الممارسات تثير سؤالاً يتعلق بإمكانية تطبيق الترجمة على الأخبار طالما أن ما يحدث لا يلائم كثيراً نشاط الترجمة بين اللغات وإنما تصبح المسألة تأويلاً أكثر مما هي ترجمة .

الترجمة

في كثير من الأحيان لا يشعر بعض الناس بحقيقة معينة  عند قراءتهم لأي نص بأنهم يقرؤون نصاً مترجماً ، فإذا ما أصبحوا على بيّنة من هذه الحقيقة سيكون سبب ذلك الإشارة الواضحة إلى الترجمة السيئة أو الأخطاء التي تتضمنها الترجمة . ففي مثل هذه الحالات تعد الترجمة أولا وقبل كل شيء تغييراً في اللغة وهي عملية تتمثل باستبدال كلمات وتعابير من لغة إلى أخرى باستعمال كلمات وتعابير لغة أخرى .

 وكما هو معروف إن كلاً من الترجمة والتأويل معروفة منذ قرون . وهنالك تقليد عريق من التفكير والآراء حول الترجمة تم التعبير عنها خلال هذه القرون . وعلى كل حال، نجد أنه في أواسط القرن العشرين بدأت دراسات الترجمة تشهد تطوراً كبيراً بأعتبارها اختصاصاً أكاديمياً . وثم بعد ذلك صياغة مبادئ نظرية التي غدت أساساً لوصف الترجمة وتعليمها . وتمت دراسة الترجمة كنتاج مميز وكأجراء معرفي وكنشاط اجتماعي- سياسي مع قيام كثير من الباحثين بدراسة هذا الميدان من زوايا عديدة ومختلفة ومفاهيم مختلفة .

 ففي الخمسينيات والستينيات كانت الترجمة تؤخذ ضمن إطار علم اللغة وتمت دراستها كظاهرة لغوية وعملية نقل معنى عبر فك الرموز اللغوية . ومنذ السبعينيات بدأت دراسات الترجمة تتبنى وتتكيف للدراسات اللغوية النصية والبراجماتية(التداولية) وتحليل الخطاب وعلم اللغة الاجتماعي ودراسات التواصل اللغوي . وبناء على ما تقدم، تم تعريف الترجمة بكونها نتاج نص. اذ انتقل النص إلى محور الاهتمام وبدأت جوانب عديدة تؤدي دورها وانعكاسها على الترجمة مثل النصية والسياق والجانب الحضاري والوظيفية وأنواع النص . وفي نهاية السبعينيات تم أكمال المناهج المتمحورة نحو النص الأصل بمنهجيات وظيفية والتي شرع فيها فيرمير (Vermeer) عام 1978 مع  (نظرية Skopos  )أي النظرية الموضوعية والغرضية وتعرف ايضاً نظرية المنتهى او الهدف المنشود في الترجمة . ( إن كلمة Skopos مشتقة من كلمة يونانية هي  "  "Skopos  تعني الغرض أو الهدف أو الغاية). ومن جهتها عرّفت المنهجيات الوظيفية الترجمية بكونها نشاط معرفي له غاية معينة أو عمل ترجماتي شرعت به هيئة خاصة بالترجمة تهدف إلى غرض خاص وتم تحقيق ذلك بواسطة مترجم وخبير في أنتاج النص .

 أما الدافع الرئيس  الآخر فقد جاء في دراسات الترجمة الوصفية التي تم اشتقاقها من الأدب المقارن ، وعندما قام هولمز بتوضيح ما أطلق عليه دراسات الترجمة أو علم الترجمة والترجمات "Translatology-Traductologie"  وصف  هدفين رئيسين هما :

(1)       وصف ظواهر في الترجمة والترجماتية مثلما تعبّر عن نفسها في عالم الترجمة .

(2)       إقامة مبادئ عامة التي بوساطتها يمكن توضيحها ومن خلال الوصف المقارن لترجمات النص الأصلي نفسه أما بلغة واحدة أو بلغات متعددة وتم توضيح ذلك من خلال الكيفية التي بوساطتها تؤثر الظروف التاريخية على السلوك الترجماتي . وتم فهم السلوك ألترجماتي ، كسلوك اجتماعي تمت هيكلته سياقياً وتحكمه معايير معينة.  وهنالك منظور تجريبي وتاريخي قام بدراسة موقف الأدب المترجم في ثقافة معينة وفي زمن معين وكذلك وظيفته فيما يتعلق بتلك الثقافة فضلا عن العوامل الأيديولوجية والاقتصادية على إنتاج الترجمة واستقبالها .

وفي بداية التسعينات تأثرت دراسات الترجمة والى درجة كبيرة بالدراسات الحضارية والأنثروبولوجية والنظريات ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية وما بعد الاستعمارية وعملت هذه المنهجيات على إتباع اتجاهات وأجندات مختلفة . ولكن على الرغم من ذلك هنالك ، مثلما أكد آروجو (1998) ، قواسم مشتركة ، وأرضية مشتركة لإمكانية إيجاد معنى ثابت وموجود في النصوص ويمكن أن تتكرر في أماكن أخرى دونما أي تدخل من قبل الأفراد وكذلك أثر الظروف السياسية والأيديولوجية والتاريخية والثقافية .

ومن جهة أخرى،  تم تعريف الترجمة على أنها صيغة من تحويل منتظم وتطبيق سياسي - اجتماعي . ولذلك من الممكن أن تكون الجامعة صيغة من العمل السياسي والتزاماً يهدف الى التغلب على التبادلات الثقافية غير المتناسقة . ونتيجة لذلك ،وفي النظريات ما بعد الحداثة تم استبدال المفهوم التقليدي للمترجم كناقل غير مرئي للمعاني بالتدخل المرئي، وتم توضيح هذه المفاهيم من قبل تيموكزو وجنتزلد وعلى النحو الآتي :

ليست الترجمة بكل  بساطة عملاً لإعادة إنتاج يتصف بالأمانة وإنما هي عملية انتقاء وتعشيق وتجميع وهيكلة و  " فبركة " بصورة واعية ومتعمدة  وحتى  في بعض حالات "التزوير" ورفض المعلومات وخلق رموز سرية .

وباختصار لم تعد دراسات الترجمة تهتم في الوقت الحاضر بتفحّص فيما إذا كانت الترجمة "أمينة"  مقارنة مع النص الأصلي . وبدلاً من ذلك أنصبّ الاهتمام على التطبيقات الاجتماعية والثقافية والتواصلية  وعلى الأهمية الثقافية والأيديولوجية للترجمة والنقل وعلى السياسات الخارجية للترجمة  والعلاقة بين سلوك الترجمة والعوامل الاجتماعية والثقافية. وبعبارة أخرى ، هناك اعتراف عام بتعقيد ظاهرة الترجمة مع زيادة التركيز على الجانب الإنساني والاجتماعي ونتائج ذلك أكثر مما تركز على البنية الداخلية . وقد تم مؤخراً تطبيق المنهجيات السوسيولوجية على دراسة الترجمة مستندين على انجازات بورديو (2007 Bourdieu ) . وبهذه الطريقة يمكن التوصل إلى تطبيقات مؤسساتية وكذلك التوصل إلى بناء علاقات محددة في مجال الترجمة . ان هذه العوامل وثيقة الصلة بالترجمة التحقيقية في وسائل الأعلام وفي سياق المؤسسات السياسية ( مثل الحكومات والأحزاب السياسية والسفارات ) .

الترجمة والسياسة

تؤدي الترجمة دوراً سياسياً مهماً جداً في صنع السياسة الدولية والدبلوماسية ( وعلى سبيل المثال توقيع عقود ثنائية أو متعددة الأطراف وإلقاء الخطابات خلال زيارات دولية ) وكذلك في صنع السياسة الوطنية ( وبصورة خاصة للدول ثنائية اللغة أو متعددة اللغات بصورة رسمية ) وكذلك في اتخاذ القرارات السياسية المتعلقة بالأقليات العرقية والمهاجرين في دولة أحادية اللغة رسميا وترجمة مختلف الوثائق إلى لغات طوائف وأقليات  .

إن للمنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوربي لغاتهم وسياستهم الخاصة بالترجمة ولهم أقسام الترجمة الخاصة بهم والتابعة لهم . ففي منظمة الأمم المتحدة تعد اللغات العاملة هي الانكليزية والفرنسية والأسبانية والروسية والصينية. وبالمقابل تعدّ اللغتان الانكليزية والفرنسية  اللغتين الرسميتين في الأمم المتحدة . وفي الاتحاد الأوربي تعدّ جميع اللغات الوطنية للدول الأعضاء لغات رسمية استناداً إلى السياسة اللغوية للاتحاد الأوربي . ويحق لمواطن أية دولة عضوة في الاتحاد الأوربي استعمال لغته الوطنية في التواصل في جميع مؤسسات الاتحاد الأوربي . وبسبب هذه السياسة ، توسعت أقسام الترجمة والتأويل بدرجة كبيرة . وقام كوسكيننن (koskinen2000) بتقسيم الترجمة في مؤسسات الاتحاد الأوربي الى مجموعتين : التواصل الداخلي والتواصل الخارجي بالاستناد إلى المنتجين والمخاطبين ووظائف النصوص ( على سبيل المثال إن الترجمة المؤسساتية الداخلية تستعمل ضمن أطار المؤسسة نفسها أو الترجمات التي تتم ضمن إطار مؤسسات الاتحاد الأوربي التي تهدف إلى التواصل مع الجمهور العام كصيغة للتواصل بين الثقافات).

وعندما يتعلق الامر بالسياسة الخارجية للدول الفردية تصبح الترجمة ملائمة لتوجيه خطابات خلال  زيارات الدولة . إن الترجمة قبل هذه الخطابات تكون متاحة ومتوفرة على مواقع شبكة الانترنيت أو السفارات وحتى يتم طبعها في نشرات أو في وسائل الأعلام . وبهذه الطريقة يمكن للحكومة أن توصل أهدافها السياسية وقراراتها إلى العالم الخارجي . وكما يتم تقديم الأهداف السياسية وقرارات الدول الأجنبية إلى الحكومات بواسطة الترجمة . ونذكر على سبيل المثال يقوم قسم المراقبة في هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) بترجمة نصوص إلى الانكليزية لحكومة المملكة المتحدة . وهكذا نجد أن الترجمة تلعب دوراً كبيراً في تصدير النصوص السياسة واستيرادها .

إن الترجمة التي غالبا ما لا تكون متطورة في مجال السياسة تعد جزءًا لا يتجزأ من النشاط السياسي . إن عملية اختيار النصوص لترجمتها هي في الحقيقة قرار سياسي كما أن اختيار اللغة التي تترجم إليها هي الأخرى قرار سياسي . على سبيل المثال، أصبحت مواقع الانترنت للحكومات متعددة اللغات بدرجة أكبر ولكن لا يعدّ أي نص متاح في لغة الأصل موجوداً في لغات أخرى . وتمنح مواقع الانترنت الخاصة بالحكومة الألمانية روابط إلى اللغة الانكليزية والفرنسية ولمواقع الانترنيت للحكومة الأسبانية رابط مباشر مع النسخة الانكليزية . وإذا ما نظرنا إلى نسخ اللغات الأخرى عن كثب سوف نلاحظ أنه لم تتم ترجمة سوى نصوص محدودة . وبالنسبة للحكومة الألمانية على سبيل المثال ، هناك مزيد من النصوص تمت ترجمتها إلى الانكليزية أكثر مما ترجمتها إلى الفرنسية إذ ان النسخ الانكليزية متوفرة أكثر من النسخ الفرنسية في حين أن موقع حكومة المملكة المتحدة لا يعطي إلا النسخة الانكليزية فقط ولكن عام (2007) تم تقديم معلومات عامة حول هيكل الحكومة بالفرنسية والألمانية والأسبانية في حين إن الخطابات التي تلقى من قبل الوزراء الألمان مترجمة وموجودة في  مواقع الانترنت للحكومة إلا أن ذلك لا ينطبق على موقع الانترنت التابع لحكومة المملكة المتحدة . وعلى كل حال، يمكن قراءة خطاب رئيس الوزراء البريطاني مترجماً الى الألمانية في السفارة البريطانية في ألمانيا وتعد مواقع الانترنت التابعة للسفارات ثنائية اللغة وتقدم كماً هائلاً من الخطابات التي تلقى من قبل السياسيين إذ إن هذه الخطابات تمت ترجمتها .

لا يوجد بحث مفصّل حول سياسات الترجمة الحالية للحكومات الوطنية أو الأحزاب السياسية الوطنية أو السفارات . ومن وجهة  نظر دراسات الترجمة أو علم الترجمة يمكن أثارة الأسئلة الآتية : من الذي  يقرر أن تكون مواقع الانترنت للمعلومات ووزارات الحكومة والأحزاب السياسية متاحة للجميع ؟ من يقرر اللغة التي تترجم إليها النصوص ؟ من يقرر ترجمة النصوص ؟ من يترجم النصوص طالما أن للحكومات والأحزاب السياسية اقسامها الخاصة بها في مجال الترجمة ؟ هل إن حاجات الترجمة تحال إلى شركات ؟ وعلى هذا الأساس ما هي المعايير المعتمدة لأحالة  الترجمة إلى الشركات وكيف يتم انتقاء الشركة ؟ هل إن النصوص تتم ترجمتها من قبل السياسيين أو / و المستشارين السياسيين و /أو الكادر المتخصص نفسه ؟ إذا كانت الإجابة بالإيجاب ما هي أنواع النصوص وما هي أسباب ترجمتها؟ من يقرر النصوص المستعملة في الترجمة لأغراض داخلية فقط ؟ هل أن السياسات المتبعة والإجراءات ملائمة لعملية ترجمة النصوص إلى لغات أجنبية ؟ على سبيل المثال ، على أساس أية معايير تتم ترجمة خطابات رئيس  الوزراء البريطاني إلى لغة ( أو لغات ) أخرى ؟ وعلى أساس أية معايير تتم ترجمة خطابات السياسيين إلى الانكليزية ومن قبل من ؟

وفي السنوات الأخيرة ذكرت وسائل الإعلام أنه بسبب ارتفاع كلفة الترجمة عمدت حكومة المملكة المتحدة غلق أقسام معينة للترجمة أو عملت على دمجها . وعلى سبيل المثال قام قسم النقل بغلق خدمات الترجمة في أواسط التسعينيات. وفي عام (2006) قامت الحكومة بإعلان مناقصات خاصة بالترجمة وفعلا قامت شركات الترجمة في المملكة المتحدة بتوقيع اتفاقيات مع الحكومة لغرض الترجمة .

إن تحليل مواقع الانترنت الحكومية التي ترتكز على النصوص المتوفرة يؤدي إلى إثارة المزيد من الأسئلة التي تستحق المزيد من التوضيح . على سبيل المثال يقوم موقع انترنت للحكومة بنشر مؤتمر صحفي بمناسبة زيارة رؤساء الدول باللغة الانكليزية حصراً . وحتى إذا كانت هناك إشارة إلى استعمال لغة أخرى كما هي الحال مع المثال أدناه من المؤتمر صحفي مع رئيس الوزراء في (9/7/2007) في لندن لا يوجد أية إشارة واضحة إلى الترجمة أو التأويل :

رئيس الوزراء " سيداتي وسادتي يسرني ان يكون رئيس مجلس الاتحاد الأوربي للوزراء أول زائر أجبني رئيس وزراء البرتغال اشكر رئيس الوزراء . سوف أتحدث باللغة البرتغالية إذا لم يزعجكم ذلك وسيكون ذلك أفضل لي ولكم سوف أبدأ بتوجيه الشكر إلى رئيس الوزراء لدعوتي إلى هنا ".

إن إعلان رئيس الوزراء البرتغالي تم إعطاءه باللغة الانكليزية فقط ولا يمكن التوصل إلى النص الأصلي بالبرتغالية . على الرغم من أنه واضح من خلال هذا الاقتباس إلا أنه غير مرئي على شبكة الانترنت .

وعندما نجري تحليلاً مقارناً بين الحكومتين الألمانية والأمريكية نجد اختلافاً في المؤتمر الصحفي .إن موقع شبكة الانترنت للحكومة الألمانية يتضمن المؤتمر الصحفي مع رؤساء الدول الأجانب الذين يقومون بزيارة ألمانيا بالألمانية مع وجود جملة في الزاوية العليا اليمنى تشير إلى أن نقل النص الأجنبي يتم بصورة فورية . أما موقع الانترنت التابع للحكومة الأمريكية فأنه يضع عبارة بين قوسين  "مثلما ترجم"  وهذا أمر واضح عندما رحّبت المستشارة الألمانية بالرئيس الأمريكي عام (2006).

وعلى كل حال هناك اختلاف مهم في نصوص المؤتمر الصحفي : في الوقت الذي يقوم موقع الانترنت التابع للحكومة الأمريكية بإعطاء ترجمة حرفية هناك مراجعة النص في موقع الانترنت التابع للحكومة الألمانية . وتعكس لنا النصوص حقيقة مفادها أن الخطاب الذي يوجّه شفويا من قبل المتحدثين تجري عليه عملية تصحيح أسلوبي وقواعدي عندما يصبح نصاً مكتوباً . ومن الممكن أن نلاحظ وجود بعض الاختلافات في النصوص المنشورة في موقع الانترنت إذ إن النص في موقع الانترنت التابع لحكومة الولايات المتحدة يشابه النص الشفوي في حين  إن النص الموجود على شبكة الانترنت التابع للحكومة الألمانية جرت عليه تصحيحات  أسلوبية وقواعدية .

وكما هو معروف إن المؤتمرات الصحفية غالباً ما تكون متوفرة على شبكة الانترنت يضاف إلى ذلك ان الصحفيين الذين يحضرون المؤتمرات الصحفية يقومون بكتابة تقارير حول المؤتمر وتنشر في وسائل الإعلام ، وهذا يعني الكتابة في الصحف لدولة ثالثة مما يجعل عملية الترجمة واللغة أصلاً أكثر تعقيداً .على سبيل المثال، إذا كان هناك صحفي فرنسي يعمل في صحيفة فرنسية ويحضر مؤتمراً صحفياً في ألمانيا بمناسبة زيارة دولة ألمانيا من قبل رئيس الوزراء الايطالي. ففي المؤتمر الصحفي تستعمل اللغة الايطالية ولكنها مترجمة الى الألمانية وعلى الصحفي الفرنسي إن يفهم الألمانية و/أو الايطالية عندما يقوم بالترجمة من الألمانية و/ أو الايطالية إلى الفرنسية أو أن يعتمد على ترجمة لاحقة للنص في المؤتمر الصحفي إلى الفرنسية لكي يكتب تقريرا للصحيفة الفرنسية . وطالما إن التأويل أو الترجمة لم يتم تقديمها في المؤتمر الصحفي للصحفيين الأجانب فأنه يتوقع من الصحفيين أن يفهموا لغة الدولة المضيفة أو على الأقل أن يفهموا لغة الضيف الأجنبي . ويوضح هذا السيناريو العلاقة بين وسائل الإعلام والسياسة والترجمة . إن وسائل الإعلام ليس لها فقط الدور في نقل المؤتمر الصحفي ولكن أيضا تمكّن السياسيين من تقديم آرائهم بصورة مباشرة للقراّء في صفحات الصحيفة أو في التلفاز ( وأفضل مثال هو المقابلات شريطة ان لا يتم اختصارها ). وكما أسلفنا ينبغي على الصحفي أن يلعب دور الوسيط بين السياسيين والجمهور ، وفي هذا الدور التوسطي عبر الحدود اللغوية والثقافية والإيديولوجية تحصل بعض التحولات في عمليات اعادة هيكلة السياق وتكون ذات أهمية سياسية ويمكن أن تنتج من تأويلات مختلفة للحدث السياسي نفسه من قبل القراّء في دول مختلفة وحتى في الصراع ذاته .                            

 الخطاب السياسي ووسائل الإعلام والترجمة

إذا أجرينا مقارنة لنسخ في لغات مختلفة للنص نفسه في وسائل إعلام مختلفة يمكننا ملاحظة بعض التغييرات التي يتعذر توضيحها بصورة دقيقة مع الإشارة إلى ألأسباب الأسلوبية. لنأخذ مثالين : المثال الأول يتناول الفقرة الاستهلالية لمقالة مشتركة من قبل وزير الخارجية الفرنسي برنارد كوشنير وسكرتير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية ديفيد ماليباند والتي نشرت باللغة الانكليزية في صحيفة انترناشينال هيرالد تريبيون (14/10/2007) ثم أصبحت متاحة بالترجمة الألمانية على موقع الانترنت التابع لسفارة المملكة المتحدة  في ألمانيا وباللغة الفرنسية في المملكة المتحدة . عند مقارنة النصين نجد اختلافاً معيناً إذ إن النص الألماني الكامل لا يعكس دور النظام السياسي الذي هو موضوع المؤتمر وقد اختار المترجم هذه الإستراتيجية بصورة متعمدة ليعكس موقفه السياسي والتزامه . أما المثال الثاني فقد تم التعبير عنه بصورة مختلفة في  وسائل الإعلام وذلك من وجهة نظر المحتوى والشكل والكم والتركيز. ويلاحظ أيضا وجود تغييرات في البنية الدلالية والنحوية مع تغير في التركيز والتقييم . فقدمت صحيفة انترناشينال كليرينج هاوس قائمة أعمال تحدث في أمريكا الشمالية فحواها ان هذه الأعمال لا تلائم المجتمع الديمقراطي ونجد أن النسخة الانكليزية قريبة من النسخة الروسية  وتم استعمال القائمة ذاتها في التايمز والفيغارو .

إن ما تقدمه هذه الأمثلة يؤكد على  ان وسائل الإعلام تلعب دوراً مهماً في  نقل المعلومات حول السياسات والأحداث السياسية في الدول الأخرى وهذا بدوره يؤثر كثيراً على انطباعات الجمهور وردود أفعاله كما يؤثر ذلك أيضا على عمل السياسيين.  ويمكن القول انه من دون وسائل الإعلام سوف لا يكون هناك سياسة ولا علاقات دولية . وعلى كل حال، فإن كتابة التقارير حول السياسة تتضمن إعادة هيكلة السياق للأخبار والمعلومات وفي الغالب يتم تقديم المعلومة من منظور مختلف .  

[1] Christina Schäfner and Susan Bassnet : Politics Media and Translation Cambridge Scholars Publishing , Newcastle , UK.2010

اعجبنى المقال
   
  مواضيع ذات صلة
 
لماذا الترجمة "صنعة"؟
الدبلحة وتراجم الشاشة..
كيف نترجم ترجمة دقيقة؟
تاريخ الترجمة: كان ومازال المترجم جنديًا مجهولًا.
الترجمة الإسلامية نقلت أوروبا من عصور الظلمات إلى النهضة.
الأدب العربي وسياسة الترجمة..
 
 
شاركنا تابعنا للتواصل

   
art@arabletters.com
info@arabletters.com