مشاركة ملف الصفحة الرئيسية البحث تابعنا
خمس تقنيات لترجمة الأدب ثلاثة أدوار جوهرية للمُترجِم المُحترِف تاريخ اللغة الفرنسية بيكاسو وديرين يشاركون في متحف بفالنسيا مع ريبالتا وإلبوسكو اللغات ومحو الثقافات تعدد اللغات طريق المُترجِم لوظائف الترجمة الحُرّة والتأهُل لها
 
كاتب المقال

كتب : المترجم العربي
الوظيفة : مدير الموقع
شاركنا المقال  
المحاولات المبكرة في نظرية ترجمة نظامية: درايدن و دوليه و تايتلر
4/4/2016 : مشاهدات 46 : اعجابات

قامت إنكلترا القرن السابع عشر بالنسبة لآموس (1920/1973:137) بخطوة مهمة للإمام في نظرية الترجمة و ذلك عبر "عبارات أو بيانات متأنية و معقلنة و غير خاطئة في هدفها و مراميها". في ذلك الوقت، كانت الترجمة للإنكليزية مقصورة كلية على وجه التقريب على ترجمة الكلاسيات الإغريقية و اللاتينية ترجمة شعرية، و كان بعضها حرا إلى درجة كبيرة.   فكاولي، على سبيل المثال، يهاجم في مقدمته لقصائد بندار الغنائية (1640) Pindaric Odes الشعر الذي " ينقل بأمانة و كلمة بكلمة إلى النثر الفرنسي أو اللاتيني" (كاولي 1640، مقتبس في (Amos 1920/1973:149  و كان منهجه مواجهة الخسارة الحتمية للجمال في الترجمة و ذلك باستعمال "فطنتنا أو ابتكارنا" لخلق جمال جديد.  و بفعله هذا فإن آموس يعترف انه قد " أخذت و تركت و أضفت ما أرغب به" بالنسبة للأناشيد ( آموس، ص 150)، بل ان كاولي أقترح المصطلح محاكاة / تقليد imitation لطريقة الترجمة هذه بالذات (آموس، ص 151). و لم تكن الفكرة ان طريقة حرة كهذه سوف تمكن المترجم ليبز النص الأصلي مثلما هي عليه الحال في الفترة الرومانية، بل الفكرة ان هذه كانت هي الطريقة التي سمحت بإعادة إنتاج "روح" النص الأصلي على أفضل وجه (آموس، ص 157).

أنتج هذا المدخل الحر تماما للترجمة رد فعل معاكس، و على وجه بارز من شاعر و مترجم إنكليزي هو جون درايدن الذي سيكون لوصفه لعملية الترجمة تأثير عظيم على نظرية الترجمة و تطبيقها اللاحقين.  يختصر درايدن في مقدمة ترجمته لرسائل أوفيد (1680/1992:17)   Ovid's Epistles  الترجمة كلها بثلاثة أصناف :

1. الترجمة الحرفية metaphrase  : و هي ترجمة كلمة بكلمة و سطر بسطر و التي تماثل الترجمة الحرفية literal translation.

•2.     "الترجمة التفسيرية" paraphrase: : و هي ترجمة بنوع من الأفق حيث يبقي المترجم المؤلف أمام ناظريه حتى لا يضيع أبدا، إلا ان كلماته لا تتبع بصرامة كبيرة مثل معانيه، و يشتمل هذا على تغيير عبارات كاملة و يماثل هذا الصنف بدرجة أو أخرى الترجمة الأمينة faithful أو ترجمة المعنى       . sense-for-sense.

3. " المحاكاة أو التقليد"  imitation : و هي  "التخلي" عن كل من الكلمات و المعنى، و يماثل هذا الصنف ترجمة كاولي الحرة جدا و هو بدرجة أو أخرى "اقتباس بتصرف" adaptation.[i]

ينتقد درايدن مترجمين من على شاكلة بن جونسن الذي يتبنى الترجمة الحرفية بوصفها "ناسخا لغويا"(Dryden 1680/1992:18). ان مثل هذه الترجمة "العبيدية" و "الحرفية" مرفوضة بتشبيه شهير في الوقت الحاضر: " يشبه الأمر كثيرا الرقص على الحبال بأرجل مغلولة- تلك مهمة حمقاء". و بصورة مماثلة يرفض درايدن المحاكاة التي يستعمل المترجم فيها النص الأصلي ك " نسق ليكتب ما يفترض ان المؤلف كان سيكتب به لو انه عاش في عصرنا و بلادنا" (ص 19). تسمح المحاكاة، بمنظور درايدن، للمترجم ان يصبح مرئيا بصورة أكبر إلا أنها تقترف "الخطأ الأعظم.... لذكرى الموتى و سمعتهم" (ص 20). و هكذا فإن درايدن يفضل الترجمة التفسيرية ناصحا بتجنب الترجمة الحرفية و المحاكاة.

مارس نموذج درايدن الثلاثي هذا تأثيرا كبيرا على الكتابات اللاحقة عن الترجمة. مع ذلك فإن من الصحيح القول ان درايدن نفسه غير موقفه وذلك في إهداء ترجمته لأنيادة فيرجل (1697) مظهرا التحول إلى نقطة ما بين الترجمة التفسيرية و الترجمة الحرفية:

رأيت من المناسب ان أتحول بين طرفي الترجمة التفسيرية و الترجمة الحرفية : لأبقى قريبا من مؤلفي ما استطعت، من دون ان اخسر نعماؤه، و التي من أبرزها جمال كلماته.

(Dryden 1697/1992:26)

يحمل وصف مدخل دريدان الخاص إلى الترجمة شبها بتعريف المحاكاة المشار إليه في أعلاه:  "ربما أجرؤ على القول بأني سعيت لأن أجعل فيرجل يتكلم بإنكليزية كان سيتكلم بها هو نفسه لو انه ولد في إنكلترا و في هذه الفترة الحاضرة" .(Dryden 1697/1992: p.26)

على وجه العموم إذن فان كتابات دريدان و معاصريه عن الترجمة هي معيارية جدا prescriptive   وهي تؤسس لما يجب القيام به لأجل ان تتحقق الترجمة الناجحة.  مع ذلك، و بصرف النظر عن أهمية كتابات درايدن عن الترجمة بالنسبة إلى نظرية الترجمة فإنها تبقى مليئة بمفردات لغة زمانه مثل: " عبقرية " مؤلف النص الأصلي و " قوة " و "روح" النص الأصلي و الحاجة " للفهم الكامل" لمعنى النص الأصلي و " فن" الترجمة.

لقد بدأ كتاب آخرون عن الترجمة بتحديد "مبادئهم" الخاصة بطريقة معيارية مشابهة. و من أوائل أولئك الكتاب إتيان دوليه  Etienne Dolet الذي اشرنا إلى مصيره المفجع سابقا. يؤسس دوليه في مخطوطته المكتوبة في العام 1540 و الموسومة La manière de bien traduire d'une langue en aultre   ( السبيل إلى الترجمة بأفضل وجه من لغة إلى أخرى،  ( Dolet 1540/1997خمسة مبادئ متسلسلة حسب الأهمية كما يلي[ii]:

•1.     على المترجم ان يفهم تماما معنى و مادة المؤلف الأصلي، مع ان عليه ان يشعر بالحرية في توضيح الغوا مض.

•2.     على المترجم ان يملك معرفة كاملة بلغتي المصدر و الهدف لكي لا يقلل من فخامة اللغة.

•3.     على المترجم ان يتجنب الترجمات الحرفية.

•4.     على المترجم ان يتجنب الصيغ اللاتينية و غير المألوفة.

•5.     على المترجم ان يجمع و يربط الكلمات ببلاغة لكي يتجنب الخَرَق.

يكون الشاغل هنا و لمرة أخرى هو إعادة أنتاج المعنى و تجنب الترجمة كلمة بكلمة، غير ان التأكيد على الشكل البلاغي و الطبيعي للغة الهدف تم تأصيله برغبة تعزيز بنية و استقلال اللهجة الفرنسية الدارجة الجديدة.

ربما تكون أول دراسة نظامية عن الترجمة في الإنكليزية أعقبت درايدن هي "مقالة في مبادئ الترجمة" (1797) لألكسندر فريزر تايتلر  Alexander Fraser Tytler و بدلا عن وصف درايدن الموجه نحو المؤلف ("أكتب مثلما كان المؤلف سيكتب لو انه عرف لغة الهدف") فان تايتلر يعرف "الترجمة الجيدة" بعبارات موجهة نحو قارئ اللغة الهدف:

تلك هي الترجمة التي تنقل إليها مزية العمل الأصلي بشكل كامل إلى لغة أخرى لدرجة أنها تفهم بشكل مميز و يشعر بها بقوة متكلم أصيل من أهل البلد الذي تعود إليه تلك اللغة بنفس طريقة أولئك الذين يتكلمون بلغة العمل الأصلي.

(Tytler 1797: 14)

و بينما يكون لدوليه خمسة "مبادئ" فإن لتايتلر (1797:15) ثلاثة "قوانين" أو "قواعد" هي:

•1.     على المترجم ان يعطي نسخة طبق الأصل لأفكار العمل الأصلي.

•2.     يجب ان يكون أسلوب و نمط الكتابة بنفس الصفة التي يملكها العمل الأصلي.

•3.     يجب ان تملك الترجمة كل سلاسة التأليف الأصلي.

يتناغم قانون تايتلر الأول مع مبدأي دوليه الأول و الثاني في إشارته لامتلاك "معرفة كاملة" عن العمل الأصلي (Tytler 1797:17)، و في الإلمام بالموضوع و إعطاء "نقل أمين لمعنى و روح" المؤلف.  يتعامل قانون تايتلر الثاني، شأنه في ذلك شأن مبدأ دوليه الخامس، مع أسلوب المؤلف و يكلف المترجم بكل من تحديد "الهوية الأصلية" (ص 113) لهذا الأسلوب و امتلاك القدرة و "الذوق الصحيح" لإعادة إنتاجه في لغة الهدف. و يتكلم القانون الثالث ( الصفحات 199-200) عن امتلاك "كامل سلاسة تأليف" النص الأصلي. يعتبر تايتلر هذا المسألة المهمة الأكثر صعوبة و يشبهها ، باستعارة تقليدية، بفنان ينتج نسخة لرسم ما. و هكذا فإن "المحاكاة الدقيقة" يجب تجنبها مادامت تفقد "سلاسة و روح العمل الأصلي". و الحل الذي يقدمه تايتلر (ص 203) للمترجم هو ان يتبنى "عمق روح مؤلفه".

يدرك تايتلر ذاته ان القانونين الأولين يمثلان المفهومين المختلفين بشكل واسع عن الترجمة. و يمكن رؤيتهما على أنهما قطبي أمانة المضمون و أمانة الشكل، بل إعادة صياغات ثنائية المعنى بالمعنى و الكلمة بكلمة  لكل من شيشرو و القديس  جيروم.  على أية حال ، فالموضوع الأكثر أهمية هو انه مثلما فعل دوليه بمبادئه فإن تايتلر يرتب قوانينه الثلاث على نظام أهمية مقارنة. يكتسب هذا التصنيف الهرمي أهمية في نظرية الترجمة الحديثة، فمناقشة "خسارة الترجمة و  "ربحها" على سبيل المثال  قد بشر به بطرق معينة اقتراح تايتلر ان نظام رتبة القوانين يجب ان يكون وسيلة لتحديد القرارات عندما يتوجب القيام "بتضحية" ما (ص 215 ) . و هكذا فإن سلاسة التأليف يمكن ان يضحى بها لأجل نمط الكتابة ان كان ذ لك ضروريا، و يمكن مغادرة نمط الكتابة لمصلحة المعنى.

الموضوع الحالي هو مبحث مترجم من كتاب "تقديم دراسات الترجمة" لجيرمي ماندي يعكف المترجم على ترجمته.

[i]  يترجم ماجد النجار في ترجمته  لكتاب يوجين ا. نايدا نحو علم للترجمة  ( 1975: 49)  و الصادر عن وزارة الأعلام العراقية مصطلحات درايدن أعلاه ب (التقيد بالنص الأصلي)  و (وضع صياغة جديدة للنص) و (المحاكاة ) على التوالي، بينما يستخدم يوئيل يوسف عزيز و سلمان داود الواسطي و عبد الوهاب النجم (1981: 61) المصطلحات ( الترجمة الحرفية) و ( الترجمة التفسيرية) و (المحاكاة) و ذلك في كتابهم الموسوم الترجمة الأدبية (هوامش المترجم).

[ii] Cited in Bassnett (1980/1991:54), and given in full in Robinson (1977b95-7).

نقلا عن موقع النور

اعجبنى المقال
   
  مواضيع ذات صلة
 
اللغات ومحو الثقافات
تعدد اللغات
هل الترجمة ممدّنة؟ وظائف الترجمة ودرجات التمدن. الجزء الرابع
هل الترجمة ممدّنة؟وظائف الترجمة ودرجات التمدن الجزء الثالث
هل الترجمة ممدّنة؟ وظائف الترجمة ودرجات التمدن. الجزء الثاني
هل الترجمة ممدّنة؟ الجزء الأول
 
 
شاركنا تابعنا للتواصل

   
art@arabletters.com
info@arabletters.com