مشاركة ملف الصفحة الرئيسية البحث تابعنا
الترجمة عند العرب وعند الغرب في مفهوم الترجمة وتاريخها الأدب والترجمة وحوار الحضارات الترجمة هي شباك يطلّ به الإنسان على الحضارات الأخرى الترجمة بين الإبداع الفكري والمفهوم الأيديولوجي الترجمة الجسرالذهبي لحوارالثقافات تأثير الثقافات الخارجية في الترجمة العربية وتأثير العربية في غيرها
 
كاتب المقال

كتب : المترجم العربي
الوظيفة : مدير الموقع
شاركنا المقال  
إضاءات في الترجمة
1/9/2018 : مشاهدات 216 : اعجابات

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مازن جاسم الحلو

تشبه الترجمة بأنها عملية نقل من وعاء إلى آخر، والمترجم كالفلاح الذي ينقل نباتا من تربة إلى أخرى، يشترط فيه أن يستوعب ذلك النبات ويوفر له مناخا مشابها لتربته الأصلية. لذلك يشترط فيمن يتصدى للترجمة أن يكون ملما بأسرار لغته الأم فضلا عن اللغة التي يروم النقل إليها، متوافرا على دراسة متخصصة في أصول الترجمة وقواعدها العلمية، فالترجمة تسهم بدرجة كبيرة في ردم الهوة الفكرية بين الشعوب وتخطي الحواجز اللغوية بينها، الأمر الذي يمهد لتلاقح حضاراتها وإيصال نتاجها الفكري في شتى الميادين إلى بعضها البعض.. وشاهدنا على ذلك اللغة العربية التي انصهرت في بوتقتها ثقافات وعلوم الأقدمين لما تميزت به من قدرة كبيرة على النحت والاشتقاق وخزين ثر من المفردات والاستعمالات المجازية.

لسنا هنا بصدد الخوض في تاريخ الترجمة عند العرب، فذلك موضوع يطول شرحه وقد تصدى له الكثيرون وأوفوه حقه من الدراسة والبحث.. ما يعنينا هنا نقطتان أود التطرق لهما في موضوع الترجمة، وهما ترجمة التعابير الاصطلاحية

expressions idiomatic

وترجمة الشعر. ولعل من نافلة القول أن الترجمة مهما حاولت جاهدة أن تتوافر على درجة كبيرة من الدقة والصدق، فأنها ولاشك سوف تلحق ضررا بالنص الأصلي المنقول عنه. وهنا يعن في خاطري درس الترجمة الذي كنا ندرسه ضمن مقررات قسم اللغة الإنكليزية في الجامعة المستنصرية وضمن أحد الأسئلة الأمتحانية التي كان يتوجب الإجابة عنها وردت الجملة التالية:

It is raining cats and dogs

وإذا بأحدي زميلاتنا تترجمها على أنها : (تمطر قططا وكلابا!!) في حين أن الترجمة الدقيقة لها (تمطر بغزارة) أو المجازية (تمطر كأفواه القرب)، إذ أن غزارة المطر قد شبهت بالقطط والكلاب.. ولعمري أن الترجمة الأولى تستمطر اللعنات الجسام وتفرغ الجملة من محتواها.. وأتذكر التعبير التالي:

to face the music

والذي شاهدت ترجمته في أحد الأفلام من على شاشة التلفاز على أنه ( مواجهة الموسيقى ! ) الأمر الذي يجعله مدعاة للسخرية في حين أن ترجمته المناسبة هي : (وجوب تقبل النقد الموجه من قبل الآخرين) وهنالك الكثير من التعابير الاصطلاحية التي تفرغ من محتواها إذا ما تمت ترجمتها بصورة حرفية في حين ينبغي تعلمها بوصفها وحدة واحدة إذا ما أردنا إيصال ما تحمله من مضمون إلى المتلقي في اللغة الأخرى.فإذا استعصت هاتان العبارتان على إدراكنا، فكيف الحال بالشعر الذي يعج بالخيال والاستعارات واللامعقول ويستنفر اللغة ويفجر مكنوناتها وأصواتها وما إلى ذلك ؟!! فالشعر كيان ذو سياقات تاريخية وأدبية وأنثروبولوجية وسيميائية ونفسية وفلسفية وغيرها من عوامل تدخل في صلب تكوينه وتشكل جزءا لا يتجزأ من كينونته، وعلى الترجمة أن تكون معنية بها كلها ( 1 ).

هنالك من لم يجوز ترجمة الشعر كالجاحظ الذي رأى في ترجمته قتلا لموسيقاه ومحسناته البديعية، وهو قول يصدق إلى درجة كبيرة لأن على المترجم أن يتفهم ما يعتمل في نفس الشاعر من أحاسيس ومكنونات دفينة يصعب نقلها بكل إرهاصاتها، فضلا عما يتميز به الشعر من موسيقى وأوزان دونا عن غيره من الأجناس الأدبية الأخرى. وهنالك من أجاز تلك الترجمة شريطة أن يكون من ينبري لتلك المهمة شاعرا كيما يتمكن من أدواته بأحسن ما يرام، بعبارة أخرى ( ولا يترجم الشعرالا شاعر )، وعلى المترجم الذي يتصدى لترجمة الشعر أن يلم بمستويات القصيدة المعجمية والدلالية، وفوق هذا كله، أن يحسن الإصغاء إلى منظومة الإيقاع حيث يكمن المعنى الأعمق ؛ إذ أن مهمة المترجم عسيرة في ميدان الأدب، والشعر تحديدا ! حين تنفتح أمامه دوال تحيله إلى مدلولات شتى، وتخرج اللغة من شرنقة الاستخدام الاعتيادي لتدخل في دهاليز البديع والمجاز، مما يتحتم على المترجم في هذه الحال الحرب على جبهتين : الشكل والمضمون (2).

و ينبغي أن نضع نصب أعيينا ونحن نخوض عملية الترجمة وجود بعض التقاليد والفوارق الثقافية بين اللغة الأم المنقول منها واللغة الهدف المنقول اليها التي تكون مقبولة لشعوب ومرفوضة لأخرى مما يحتم على المترجم الجيد أن يكون ذا ثقافة ترقى إلى الموسوعية. من هنا، نرى أن بعض النصوص التي قام بترجمتها أدباء وشعراء متمرسون تنبض بالحياة وتحلق فينا إلى فضاءات رحبة وصور شعرية خلابة تشعرنا بسحرها كما لو كان النص المترجم مكتوبا بلغته الأم ويقف في هذا المجال الأديب الكبير جبرا إبراهيم جبرا وأستاذنا الكبير الدكتور سلمان الو اسطي في طليعة هؤلاء الأدباء الذين قربت ترجماتهم بين النص الأصلي والمترجم، وانتهت في النهاية إلى تدعيم وترسيخ القصيدة وأغنائها بكل مقومات الانتشار.

 

نقلًا عن ديوان العرب

اعجبنى المقال
   
  مواضيع ذات صلة
 
2ـ الحضارة العربية الإسلامية في العصور الوسطى والتحدي المعاصر
1ـ شمس العرب تستطع على الغرب
مترجموا القرآن
تاريخ حركة ترجمة معاني القرآن الكريم من قِبل المستشرقين ودوافعها وخطرها
ترجمة معاني القرآن
ترجمة القرآن
 
 
شاركنا تابعنا للتواصل

   
art@arabletters.com
info@arabletters.com