مشاركة ملف الصفحة الرئيسية البحث تابعنا
مؤتمر أردني دولي لأساتذة اللغة الإنجليزية وآدابها والترجمة هل مازال بإمكاننا الحفاظ على لغتنا من الضياع؟ المترجم والمجرم مختارات يترجمها الشاعر محمد حلمي الريشة إنجازات مشروع كلمة للترجمة قراءة في تراجم حسن الشيخ مؤتمر بريطاني عربي حول الترجمة في لندن
 
كاتب المقال

كتب : المترجم العربي
الوظيفة : مدير الموقع
شاركنا المقال  
الترجمة ودورها الحضاري المؤسس
: مشاهدات 10 : اعجابات

علاقة الترجمة بالثقافة علاقةٌ وطيدة جدًّا؛ فالثَّقافة هي العادات والتقاليد والمبادئ والقِيَم والأخلاق والموروث الشعبِي، وغيرها من المكوِّنات التي تُشكِّل عناصر أساسيَّة في ضمير الأمم وتاريخها وحاضِرها ومستقبلها أيضًا.

أمَّا الترجمةُ فهي: ذلك العلم الذي يرتبط أساسًا بالعامل اللُّغوي، والهدف منها ربطُ علاقاتٍ بين الشعوب والأمَم والتلاقح والتبادل الثقافي في عالَم أصبح اليوم قريةً صغيرة، لا بدَّ فيه من هذا التواصل في إطار احترام كلِّ أمَّة للأمَّة الأخرى لكيانها ومقوماتها الأساسيَّة.

هذا الكلامُ يَقودنا حتمًا إلى الكلام عن العولمة وأثر التَّرجمة في التنوُّع الثقافي، أو في فَرْض ثقافةٍ دون أخرى، على اعتبار أنَّ عالم اليوم لا مكان فيه للضعيف، والأمَّة الأقوى علميًّا وثقافيًّا وقِيَميًّا هي من تفرض منطقَها على بقيَّة الأمم، ولن يكون ذلك إلاَّ عبر وسائل لها تأثيرٌ كبيرٌ؛ كوسائل الإعلام، والسِّينما، والمؤلَّفات التي تسهم في انتشار ثقافةٍ على حساب أخرى.

إن عُدنا إلى أمَّتنا الإسلاميَّة ذات الثَّقافة العربية على اعتبار أنَّ اللسان العربيَّ هو لغةُ القرآن الكريم، وعليه يجب العناية بها حتى يُحفظ هذا الكتابُ، وحتى نبقى أمَّة لها ميراثُها الخاص، هذا الميراث الذي أثَّر في العالم في أزمنة سبقَت تأثيرًا بالغًا، فأنتج مثالاً يُحتَذى به في حضارة إسلاميَّة عربيَّة سادت العالم.

تناولتُ هذه النِّقاط حتى أُوصل إلى أذهان القرَّاء الأعزَّاء مفهومَ الترجمة في ظلِّ التحدِّيات الكبيرة التي تُقبل عليها أمَّتُنا، إنَّنا في عصر نُغزى فيه ثقافيًّا بشكل غير مسبوق، والترجمة كوسيلة نقلٍ لما عند الآخر وإيصال رسالتنا إلى الآخر - مُهمَلة بشكلٍ يدعو إلى الغرابة والرِّيبة في آنٍ!

 إسلامُنا يحتاج منَّا إلى إيصال رسالته السَّمحاء إلى العالم أَجْمعه؛ حتى يدرِك الآخر مَدى مصداقيَّة هذه الرسالة الخالدة، وأنَّ ما شابَهُ من تشويهٍ - سواء بسوء تدبير مِن أهله أو سوء ضَمير من أعدائه - يحتاج منَّا دون أدنى شكٍّ إلى النهوض بهذه الرسالة، والأخذِ بزمامِ الأمور حتى ننشرَ نورَه البرَّاق ليُبهر كلَّ شَغوفٍ باكتِشافه.

تبقى الإفادَة مِن روافد الغَرْب مِن أعمال علميَّة ضرورة حتميَّة، وأَصْدقكم القول: إنَّ مثل هذا النشاط يُسهم إسهامًا بالغًا في فتْح عيون أبناء أمتنا على ثقافةٍ لها إيجابيَّاتها من حيث تثمين العلم، والحضُّ على طلب المعرفة، وبناء إنسان مثقَّفٍ همُّه الأكبر كيف يحفظ كيانه، وها نحن نرى الغَرْب عبارة عن كُتلة تلتهمنا كلقمةٍ سائغة، ونحن الذين ضِعنا في دهاليزَ كلُّنا يعلمها، فتشرذمَت الأمَّة، وأصبحَت كلُّ دولة من دولنا في وادٍ هائمة على وجهها.

لن أنسى القولَ بأنَّ الترجمة ترتبط باللُّغة، واللُّغة مرتبطة بمفرداتٍ ومصطلحات خاصَّة، فإذا لم نواكب تسارُع وتيرة العالَم، ولم نقم بتحديث آليَّات لغتِنا، فمؤكَّد أنَّ لغتنا ستعرف تقهقُرًا نراه اليوم، ولا يَخْفى على ذهن أحد، فكيف تواكِب لغتُنا العربيَّة مُنجزات علميَّة هي ليست من صنع أيادينا؟

سؤال صعب حقًّا، لقد أصبحَت مفردات وتعابير تتسلَّل إلى لغتنا بمجرد رأي مما أسهم في إضعافها؛ لأنَّه لا يوجد عملٌ جادٌّ يعمل على توحيد المصطلحات، وصيانة نقاء وفصاحة اللُّغة، مثلما نجده عند الفرنسيِّين في محاربتهم لكلِّ ما هو غير فَصيح في لغتهم.

السبيل للتدرُّج مع هذه المفاهيم هو إدراك أهميَّة الترجمة في نَهضة ثقافية وحضاريَّة وفي صيانة اللُّغة؛ لأنَّ اللُّغة هي الهُويَّة، وإن ضاعَت الهُوية ضاعت الأمَّة، وتلاشَت واضمحلَّت في عالم يعجُّ بالتناقُضات.

همِّي الوحيد هو التَّنويه بالترجمة؛ فعندما أنظر في تاريخنا الغابر، وعندما أُقارن ما يُترجمه الغربُ من كتبٍ وما نترجمه نحن - أكاد أَجزم بأنَّنا في وضعٍ يندى له الجبين، ولا يُبشِّر بالخير إطلاقًا، صِرنا كمَن انغلَق على نفسه، وأغلَق عليه أبوابه ونوافذه، وعاش في تخلُّف مُدقع والعالم يَموج ويتحرَّك من حوله، فلم يلبَث إلاَّ والسَّيل يجرِفه من حيث لا يدري، وعندما استفاق وجد كلَّ شيء ضاع من بين يديه!

 فأين نحن من هذا؟ وهل قُدِّر لنا ألاَّ نعود على أقدامنا مرَّة أخرى؟

 لا، لكن البدء بخطوةٍ تتلو الخطوةَ يحتاج إلى إستراتيجية واضحة المدى، والعناية بالترجمة واللُّغة تكون مع إصلاحات شاملة على مستوى تفكِير الفرد لدينا، هذا الفرد الذي يجب أن يفكِّر في مستقبله لأنَّنا سائرون إلى المجهول، ومع ذلك بقيَت لغتنا العربية حيَّة بفضل القرآن الكريم وبفضلِ جهود المخلصين الدائبين على الإحساس بروح المسؤولية.

المترجِم مفكِّر، فتعامُله مع جلِّ النصوص يجعله ذا رؤيَة واضحة حصيفة بما يدور حوله من تغيُّرات، وعندما نُنشئ مؤسَّسات تُعنى بدور هذا المترجِم، فمن المؤكَّد أنَّ الحياة الثقافية والعلمية ستَحيا من جديد، ولكن هذه المرَّة بروحٍ جديدة ونفَس جديد، سئِمنا البقاء كمُتلقِّين للقوَّة الناعمة التي غَزَتنا من أخمص أقدامنا إلى رؤوسنا، أما آن الأوان للاستفاقة ووَقْفة جادَّة مع النفس؟!

 هم - أي: الغرب - بوسائل بسيطة جدًّا يَصنعون الإنجازات، وبقينا نحن نبكي على الأطلال، فهل هذا منطِق؟ إنَّ العبرة بالعمل وبَذْل المجهود والإرادة التامَّة في صُنع المستحيل، فلا مستحيل لمن حدَّد هدفًا وسعى في تحقيقِه.

 هذا ما أردتُ قولَه مِن خلال هذه الكلمات البسيطة التي تبيِّن الدَّور المِحْوَرِي للترجمة، ومقارنة هذا الدَّور مع ما نعيشه من انحطاطٍ ثقافيٍّ وحضاري، ولا ريب أنَّ إهمال الترجمة كان له دورٌ قاصم في مَحْو كلِّ محاولات الاستفاقة من هذا السُّبات، الذي ما فتئ انتقلَ إلى حالة الموت السريري، فهل من مجيب؟!

نقلا عن الألوكة

اعجبنى المقال
   
 
 
 
شاركنا تابعنا للتواصل

   
art@arabletters.com
info@arabletters.com