مشاركة ملف الصفحة الرئيسية البحث تابعنا
سلطنة عمان تحتفل بذكرى يوم «النهضة» السبت المقبل صدور “معجم تمهيدي لنظرية التحليل النفسيّ اللاكانية” لإيفانس ديلان معالم في ترجمة ابن سعدي رحمه الله حكم ترجمة القرآن الكريم دور الترجمة في تعليم اللغات الأجنبية منهج الشيخ الطباخ في صياغة الترجمة في كتابه " إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء " النقل والترجمة في الحضارة الإسلامية (مدخل)
 
كاتب المقال

كتب : المترجم العربي
الوظيفة : مدير الموقع
شاركنا المقال  
منهج الشيخ الطباخ في صياغة الترجمة في كتابه " إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء "
: مشاهدات 87 : اعجابات

منهج الشيخ الطباخ في صياغة الترجمة في كتابه " إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء "

باسمه سبحانه وله الحمد..

هذا الكتاب القائم في سبعة مجلدات الذي ينتظم تاريخَ هذه المدينة: حلب أحداثًا وإعلاما قدَّمه إلى المكتبة العالمية رجلٌ وصفه والدُه حين قدِم إلى الدنيا بأنه هديةٌ من الله تعالى...، وكان هديةً حقًّا؛ بحيثْ أصبحت مدينتُه بعدَه غيرَها قبله، وحفظ لها هُويتها... رجلٌ كاد ينصرفُ عن طلب العلم لولا دعوةُ والدته ودعاؤها، فتحقَّق القول أن وراء كل كبير امرأة، فلتلك الحلبيةِ الفاضلةِ فضلُ ظهور رجلٍ متميزٍ، وكتابٍ متميزٍ، إلى جانب كتب أخرى متميزة مطبوعة ومخطوطة.

عاش هذا الرجلُ في حلب متعلِّمًا وعالمًا، وأنفق عمرَه وماله ليترك في الناس عملًا نافعًا، وكان قلبُه وقالبُه سواء، ألم يشهد له تلميذُه الكبير الشيخ محمد الحامد بقوله:

في قلبه النورُ غدا ساكنًا http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ووجهُه الوضاحُ شمسُ الهدى[2]

كان شاهدًا ومشاهدًا، فدوَّن ما شهد، وحلَّل ما شاهد، تذكرُه أحياءُ حلب وحاراتُها وأزقتُها، يعلو سُلَّمًا يُمسكُه طلابُه؛ ليقرأ عبارةً أكلَ الزمانُ حروفَها، ولينتشل تاريخًا من الضياع، وليصحِّح خطًّا قد لا نلقي بالًا لما هو أكبرُ منه بكثير، وبفضلهِ عرفنا معالمَ، ووصلنا إلى علامات، وحصلنا على معلومات...، مثال ذلك تحديدُه موقع (دار الحديث) التي أنشأها أحد صانعي الحركة العلمية في حلب: بهاء الدين ابن شداد، ومدرسته التي نزل فيها ابنُ خلكان، ولولاه لم نعرف أين عاش هذا القاضي المؤرِّخ الكبير حين عاش في حلب طالبَ علمٍ يتكونُ في سني حياته الأولى.

لم يرحل الشيخ (الطباخ) خارج الشام، ولم يزر سوى المكتين وبيروت، وطرابلس، ولو رحل لامتدَّت يدُه إلى مصادر أخرى كثيرةٍ يغني بها تاريخه، وقد رحلتْ اهتماماتُه فشرَّقتْ وغرَّبتْ، وطارتْ رسائله في الآفاق متابعًا كلَّ كلمة يمكن أن تفيده في إنجاز ما بدأ.

ولئن صُرَّ بأوراق كتابه لدى الباعة، فله بذلك أسوةٌ بأبي سعد السمعاني الذي جُعِلَتْ أوراقُ جزءٍ من كتابه (الأنساب) مقاييسَ للقلانس هنا في حلب، واتصل الخبرُ بوزيرِها وقاضيها القفطي، وكانت نسختُه تفتقدُ هذا الجزء، فأقامَ للكتابِ مأتمًا حضر فيه الأعيانُ يعزُّونه على ما ضاع من هذا الكتاب!

ولكن لماذا يا حلبُ تكررين المأساة؟ وما كنتِ - فيما علمتُ - عاقَّةً، ولكن لعلَّ ذلك من دلال المحبوبِ أمامَ محبه.

على أية حالٍ لا بأس، فالكتابُ اليومَ أصلٌ أصيلٌ في أي مكتبةٍ إقليميةٍ أو دوليةٍ في الرفوف التي تتناولُ تاريخَك الطويل.

وقد نسألُ: لم حدث هذا؟ وهل هو نتيجةُ خلافٍ مع المؤلِّف في موقفٍ أو ترجمةٍ أو كلمةٍ؟ وهل الإتلافُ والإجحافُ أو الإحراقُ والإغراقُ هما السبيلُ الأمثلُ إلى التعبير عن الرأي؟

والشيخ ما كان معصومًا ولا ادَّعى العصمة، وحين تقرأ تتسأءل عن مواقفَ له من زيدٍ أو عمروٍ قد لا تعجبك، ولكن حين تبحثُ وتتعمقُ تجد أن لا سببَ شخصيٌ وراء هذه المواقف إلا ابتغاء الحق، وخدمة الحقيقة، أما أنه لم يُخطئ، فذلك ما لا يخلو عنه البشر، وكفى المرءَ نبلًا كما قالوا.

وأنا نشأتُ في بيئةٍ فيها ازورارٌ عن الشيخ، ولكنَّ سنين من المطالعة والمتابعة جعلتْ هذا الازورارَ أزرارًا تشدُّني إليه...، ولا أقولُ هذا؛ لأنَّ المناسبةَ القائمةَ تقتضيه، بل هو صادرٌ عن قناعاتٍ أزعمُ أني أمتلكُ إقامةَ البرهان عليها، ولكني لا أستسيغُ إلى اليوم قطعَهُ بنفي حياةِ رجلٍ[3] من الوجود، وإنْ شاركهُ في ذلك مؤرِّخُ معرة النعمان سليم الجندي، وقد عاد الجنديُّ فتوقفَ، وسمعتُ أن الطباخ رجعَ عن رأيه في ذلك أيضًا، ولكن الرواية شفويةٌ لا يُسندها خطٌ مخطوطٌ.

هل ابتعدتُ عن عنوان ورقتي؟ لا، فما أقوله كله داخلٌ في صياغة الترجمة وعائدٌ إليه، وما عَنيت الصياغة اللفظية فحسب، وإن كانت داخلةً في اللفظ، وسأشير إليها.

وأقول: كانت التراجمُ أقربَ إلى نفس الطباخ من الأحداث، وكان الخيطُ الذي قاده إلى هذا المشروع الكبير البحثَ عن ترجمةٍ، إلى جانب الغيرة على وطنٍ بهذا البهاء يُذْهِبُ رونقَهُ غبارٌ وصدأٌ وجهلٌ وتجاهلٌ، وتقعدُ عنه هممُ أهليهِ وأَناسيهِ.

وقد استغرقت التراجمُ القسمَ الثاني وهو أربعة مجلدات من سبعة، وبلغ عددها (1398) ترجمة.

وهذا القسم يبدأ من أوائل القرن الثالث الهجري؛ لأنه لم يقفْ على تراجِم لأحدٍ من أعيان الشهباء قبل ذلك، وينتهي في السنة التي ينتهي فيها الطبع وهي 1345هـ، فبعد أربع عشرة سنة يصبحُ عمرُ الكتاب قرنًا.

ذكر الطباخُ تراجمَ الملوك والولاة في قسم التاريخ، في المجلدات الثلاثة الأولى، أمّا تراجم الأعيان من الوزراء والأمراء والعلماء، والأدباء والوجهاء والتجار، فكانت في المجلدات الأربعة الأخرى.

وتوخَّى في هذا القسم خطَّ البسطِ أيضًا، فما رآه من التراجم في كتابين أخذ أوسعَها، وأضاف إليه ما وجده من الزوائد المفيدة في الثانية.

وانتهج منهجَ الاستقصاء بقدر الإمكان - كما قال وهذا قيدٌ مهمٌّ - فلم يقع نظرُه على ترجمةٍ لحلبيٍ في كتابٍ من الكتب التي اطلع عليها إلا ونظمها في عِقد هذا التاريخ، والتزم ألا يذكر إلا مَنْ كانت ولادته في الشهباء، أو كان ممن توفي فيها، وفاته الكثيرُ مما أظهرتْه المصادرُ فيما بعدُ.

أما مَنْ نزلها فأطال المكثَ أو قصره، ثم ارتحل، فقد ضرَبَ عنه صفحًا؛ لأن ذلك مما يطول شرحُه، ويحتاج إلى مجلدات كثيرة؛ كما قال.

وبذلك افتقرَ المشهدُ الحلبي إلى كثيرٍ من اللقطات المكمِّلة، والصور المتمِّمة، وقد أصبحتْ حلب في عهودٍ متعددةٍ قبلة الراحلين من العلماء والأدباء، وطلاب العلم والأدب، ولكنَّ شَرْطَ الشيخ أقامَهم خلف أسوار كتابه، وجعلهم ينتظرون على أبواب الشهباء، وها هم يطرقون حلقاتِ (باب الفرج)[4]، وينتظرون المفتاحَ الغائب في جيب باحثٍ ما زال يتقلبُ في فراشه الوثير مستطيبًا نومة الضحى!

رتَّبَ الشيخُ التراجمَ على مقتضى الوفَيَات، فأحسنَ أيَّما إحسان، ومن قبلُ اقترح الأميرُ ابن ماكولا هذا المنهج، وطبَّقه الذهبي، وأيَّده الطباخ، وخالفه آخرون، فارتبكتْ مؤلفاتُهم مِنْ هذه الجهة، وتقدَّم الابنُ على أبيه، والتلميذُ على أستاذه، واللاحقُ على السابق.

أما "إعلام النبلاء"، فتتدرج معه عبر القرون، وترى الحركةَ العلميةَ التي تطبع كلَّ قرن أو عهد بطابعها، وتعيشُ مع المتعاصرين، فتمشي معهم في مساجدهم ومدارسهم وأسواقهم، وتكاد تظلك سماؤُهم، وتسمعُ أحاديثَهم في أسمارهم ليالي شتائِهم الباردِ الطويل.

كان الشيخُ في تراجمه ناقلًا وقائلًا، وكان النقلُ أكثر؛ لأن المسافات الزمنية التي اقتضته أطول، وكان قائلًا معبِّرًا بنفسه وَفْقَ رأيه، وما انتهى إليه من علمٍ مرئيٍّ أو مسموعٍ في عصره، وما اتصل به، ويتجلى هذا في النصف الثاني من المجلد الأخير وهو السابع.

وانصبَّ جهدُه فيما سبق عصرَه في تتبُّع تراجِم الحلبيين من سير القرون؛ كتاريخ الإسلام، والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، والضوء اللامع لأهل القرن التاسع، والكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة، وخلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، وسلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، وحلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر، وغيرها، ومن المهم الانتباه إلى مصطلحه في النقل، فهو لا يصرِّح بذلك إلا مرةً واحدة عند البدء بتراجم أصحاب كلِّ قرن.

وهو في هذا ملتزمٌ بحرفية النقل اضطرارًا، ولا يملِك غيرَ ذلك في أناسٍ باعدَ بينه وبينهم الزمان، وربّما استدرك وأضاف وعلَّل، وقد صوَّر مَنْ رآهم أو رأى مَنْ رآهم تصويرًا جيدًا، وفيما يَكتب من التراجم نسيجٌ من الخاص والعام، والذاتي والموضوعي، ونحنُ لن نطالبه بمنهج الدراسات الحديثة المنظَّمة وَفْق فصول ومطالب، فهو تتمةٌ لما سبق، وحلقةٌ مما مضى.

وقد ترجَم لعلماء الشريعة، ولم يفرِّق بين أهل المذاهب والمشارب، وترجَم للفضلاء والوجهاء، والتجار والنبهاء، وترجم لغير المسلمين مقتصرًا على الأدباء.

وبَثَّ في هذه التراجم آراءَه وأفكارَه، ومقترحاته وانطباعاته، في الأشخاص والعلوم ومصادرها، وذكَرَ ما يتعلق بالمترجَم من آثار ووقوف، وحال هذه الآثار والوقوف، والعاملين فيها، وما عرَض لها من اعتداءٍ من القريب والغريب.

واهتمَّ بالصناعات والصنائعيين، والتجار والتجارات، حاضرًا وماضيًا، اهتمامًا يُشكر عليه.

أمّا المخطوطات، فله فيها غرامٌ جميلٌ، وجهدٌ نبيلٌ، وتتبُّعٌ حفيلٌ، مما يستدعي تبيانه بحوثًا مفردة.

ولا يُخلي الترجمةَ مِن مواقفَ جميلة، ونقدٍ بنَّاء، وإبراز جوانب النبوغ، والتحذيرِ من الخطأ والخطيئة، والتخويف من الاعتداء على مال الوقف.

ويذكرُ ما صح عنده من خوارق العادات، ويثني على أهل الصدق والصلاح، ويترجم لأهل الصحو والجذب، وينبِّه على الغلو إنْ وقع، ويدعو إلى العمل وعدم الاعتماد على النسب، ويلتفت للخصائص فيظهرها، ولمكارم الأخلاق، فيطيل إبرازَها وتبجيلَها، ويعتني بالخدمات الاجتماعية - وكان له من ذلك نصيبٌ - فيقدرها حق قدرها.

ويركِّز على الإبداعات في العلوم الشرعية والطبيعية، وأخبار المبدعين، كذاك الذي ألَّف رسالةً فصَّلَ فيها المسألة الصِّهْيَونيَّة قديمًا وحديثًا، وبيَّن الوسائلَ التي يقتضي اتخاذها، والطرقَ اللازمَ سلوكها تُجاه هذه القضية، وقدَّمها إلى السلطان عبدالحميد الثاني، وهذا سبقٌ مبكِّر.

ويختار من الشعر، وقد يحكمُ عليه وينقده، ويدقِّق في النسبة تدقيق الباحث المتثبت.

ويهتمُّ بما يتقنه المترجَم من اللغات، وبلباسه وطبائعه, وطعامه وشرابه، ومنهجه اليومي.

وقد يقع له الوهم فيظنُّ شخصًا ثلاثة، أو اثنين.

أما مصادرُه فهي مئات، وقد ذكَرَ كثيرًا منها في آخر كتابه، وتتبعتُها فرأيت الكثيرَ مما لم يذكره، فيجبُ جردُها واستقصاؤها، وقد أفاد مِن مصادر لا يُحسِنُ الاستفادةَ منها إلا أهلُ الحديث وهو منهم، ونقد بعضَها نقدًا دقيقًا.

وأكاد أراه يتتبع شواهدَ القبور ويستنطقها؛ ليضيفَ، ويُصحِّح، ويُنقِّح.

ويصيغ أسلوبَه بوضوح، وقد يسجع سجعًا مقبولًا، ويتلطف بعباراته في غالب أمره؛ مما يدل على نفسيته الهادئة، ويشتد حين يرى تحريفًا أو انحرافًا.

وكأن شعاره ما قاله في بعض التراجم: "ما أحوجَ الأمة الإسلامية إلى استبدال هذا النزع والشقاق بالوئام والوفاق، ولا سبيل إلى الوصول إلى هذه الضالة المنشودة ما دامتْ مختلفةَ النزعات متباينةَ العقائد".

أما لغتُه فهي فصيحة إلا في مواضع تسامح فيها.

وبعد: فكنت أريد عقد مقارنة بين تراجم الطباخ والغزي في (نهره)، غير أن هذا الجزء من (نهر الذهب) غير معروف المصير حتى هذا اليوم.

أوصي أخيرًا أن تُتابع جهود الأستاذ محمد كمال في تحقيق "إعلام النبلاء"، وعزو نصوصه عزوًا كاملًا، وعمل فهارس متنوعه أخرى تتم الفائدة المرتجاه.

وفي الختام نقول: رحم اللهُ محمد راغب الطباخ الوفيَّ لمدينته، الحفيَّ بأهلها، وقد قدَّمتُ أن والده وصفه حين ولادته بأنه هدية من الله تعالى، ولعلنا رأينا الآنَ أنه كان هديةً حقًّا.


[1] ألقيت في الندوة التي أقامتها المكتبة الوقفية في حلب عن الشيخ محمد راغب الطباخ سنة 1431هـ.

[2] من قصيدةٍ له كتبها للشيخ سنة 1352هـ.

[3] هو الشيخ محمد مهدي الرواس.

[4] لحلب عدة أبواب منها باب الفرج.
نقلًا عن الألوكة

اعجبنى المقال
   
 
 
 
شاركنا تابعنا للتواصل

   
art@arabletters.com
info@arabletters.com