مشاركة ملف الصفحة الرئيسية البحث تابعنا
مؤتمر أردني دولي لأساتذة اللغة الإنجليزية وآدابها والترجمة هل مازال بإمكاننا الحفاظ على لغتنا من الضياع؟ المترجم والمجرم مختارات يترجمها الشاعر محمد حلمي الريشة إنجازات مشروع كلمة للترجمة قراءة في تراجم حسن الشيخ مؤتمر بريطاني عربي حول الترجمة في لندن
 
كاتب المقال

كتب : المترجم العربي
الوظيفة : مدير الموقع
شاركنا المقال  
النقل والترجمة في الحضارة الإسلامية (مدخل)
: مشاهدات 83 : اعجابات

النقل والترجمة في الحضارة الإسلامية (مدخل)

أ.د.علي بن إبراهيم النملة 

من العوامل التي تعين على التعرُّف إلى ثقافات الآخر؛ قصدًا إلى الإفادة مما هو مناسب منها، النقل والترجمة، وتعلم لغات الآخر، ومدى الإقبال على النقل والترجمة[1]، أو تعلُّم لغات الآخر، مؤشران لمدى قوة الأمة المتلقِّية؛ فالنقل والترجمة حركة إيجابية، فيها إيحاءٌ بقوة الأمة، وسعيها إلى ترسيخ القوة، علميًّا وثقافيًّا.

وقد يوحي تعلُّم اللغات الأخرى - لا سيما إذا كان ذلك على حساب اللغة الأمِّ - بشيء من الضعف أو التبعية الثقافية عند بعض المهتمين والمعنيين بالأصالة الثقافية والفكرية، من منطلق الخوف على اللغة، وما تحمله من معاني الانتماء الثقافي والحضاري.

أما إذا كان تعلُّم اللغات قصدًا إلى النقل والترجمة منها، ومما تكتنفه من إنجازات علمية وفكرية وثقافية - فهذا يدخل في المؤشر الأول، المُوحي بالقوة، والسعي إلى ترسيخ هذه القوة، بالعلم والفكر المتاح في اللغات الأخرى.

والأمة الإسلامية منذ بعثة سيد المرسلين محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، في القرن السابع الميلادي، وهي تسير من قوة إلى أقوى، بحيث طبَقَت آثارها الآفاق في مدة قياسية: علمًا، وثقافةً وهديًا.

وكان من مؤشرات القوة لدى أمة الإسلام نقل علوم الآخر وثقافتهم إلى اللغة العربية؛ لغة الإسلام والمسلمين، لا سيما المفيد منها، والمتلائم مع المبادئ التي جاء بها الإسلام، عند النظر إلى التعامُل مع الحياة، بناءً وتعميرًا وخلافة في الأرض، وسعيًا إلى بسط النور[2].

ولا جدًّال في أهمية النقل والترجمة، وأنهما ضرورة حضارية، وأنهما "محرِّض ثقافي يفعل فعل الخميرة المحفِّزة المنشطة"، وأنها "تسدُّ الخلل القائم بين الشعوب الأرفع حضارة، والشعوب الأدنى حضارة، وأنها "تعد وسيطًا مباشرًا في تعرُّف معرفة إنجازات الشعوب"، وأنها "عنصر أساسي في عملية التربية والتعليم"، وأنها "وسيلة لإغناء اللغة وتطوُّرها"[3].

ومن هذا المنطلق بدأت لدى المسلمين ظاهرة النقل والترجمة قوية منذ العقود الأولى للإسلام، فانتشرت مراكز النقل والترجمة، وبيوت العلم، ودور الحكمة؛ وكان لهذه المراكز أثرها الفعَّال في ثقافة المسلمين وعلومهم الدنيوية، وكان لها أثرها كذلك في العلوم الدينية؛ إذ استطاعت أن توجِّه بعض المسلمين إلى الخوض في قضايا عقدية، كانت سببًا من أسباب ظهور الفرق الكلامية المشهورة، التي لا تزال آثارٌ منها باقية، وإن اختلفت أسماؤها وإطلاقاتها، وكانت هذه المراكز مؤشرًا من مؤشرات انتقال الحضارة الإنسانية، وصقلها وتأصيلها إسلاميًّا، ثم بعدئذٍ نشرها بين الأمم الأخرى[4].

وتأتي هذه الدراسة محاولةً من الباحث لبيان تأثير ظاهرة النقل والترجمة من اللغات المشهورة إلى اللغة العربية، في القرون الهجرية السبعة الأولى (من القرن السابع إلى الثالث عشر الميلادي)، على التطور العلمي والثقافي والحضاري الإسلامي أولًا، ثم الإنساني ثانيًا، مع الوقوف على الجوانب التي ساعدت على النقل والترجمة، وتحرِّي وجود أي علاقة بين العرب، قبل الإسلام، والأمم المجاورة، شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا.

وحيث برز أثر السُّرْيان في ظاهرة النقل والترجمة، كان لا بد من الوقوف على بعض مراكز النقل والترجمة السُّرْيانية التي أسهمت في نقل الثقافة اليونانية والفارسية والهندية إلى العربية، مع محاولة وضع هذه الإسهامات في المكانة التي تليق بها.

وحيث تهيَّأ إعادةُ النظر في هذا العمل بعد طبعته الأولى، والثانية، ومراجعته - وقفتُ فيه على كثير من الأخطاء والهنات العلمية واللُّغويَّة والطباعية، تلك الأخطاء التي قد تصرف المستفيد عنه، بل ربما إنها صرفت بعض المعنيِّين، الباحثين عن الحد الأدنى من سلامة العبارة.

وليس من تسويغ، أو تبرير لذلك سوى أن هذا العمل كان الخطوة الأولى في طريق تأليف الكتب، وإزاء هذا الوضع، واقتناعًا بالموضوع وأهميته عقدتُ العزم على إعادة طباعته بزيادات مهمة، أفدت فيها مما استجدَّ عندي من بحوث، ظهر منها إسهاماتها القوية، والمركِّزة على هذا المجال المهم في حركة العلم والفكر والثقافة بين الأمم، وأدَّى المزيد من الاطلاع على أدبيات الموضوع إلى تنقيح الأفكار المطروحة بما يقتضيه فعل الزمان بالإنسان، وما حصل فيه من تطوُّر في المعرفة والتفكير، وربَّما المزيد من سَعَة الأفق، علميًّا وفكريًّا وثقافيًّا، والمزيد من الرغبة في الحوار العلمي الفكري مع ثقافات الآخر المعاصرة؛ إذ تعد ظاهرة النقل والترجمة وسيلة فاعلة، ومهمة، ومن وسائل الحوار الحضاري بين الأمم.

وقد جاء توزيع البحث، في هذه الطبعة الثالثة منه على الفصول الآتية:

المدخل: وفيه عرض ومقدمات، وشكر وتقدير.

الفصل الأول: بين النقل والترجمة والتعريب.

الفصل الثاني: وحدة اللغة.

الفصل الثالث: الحضارات المجاورة.

الفصل الرابع: دوافع النقل والترجمة.

الفصل الخامس: مراكز النقل والترجمة إلى اللغة السُّرْيانية.

الفصل السادس: ظاهرة النقل والترجمة إلى اللغة العربية، وكان هذا الفصل موضع تفصيل موزَّع على العصور الثلاثة الأولى؛ من العصر الجاهلي إلى نهاية خلافة بني أُمية (سنة 132هـ/ 750م)، مرورًا بعصر صدر الإسلام.

الفصل السابع: ظاهرة النقل والترجمة إلى اللغة العربية في الخلافة العباسية، وجاء هذا الفصل مخصصًا للخلافة العباسية؛ لما رأيت من التوسع في حركة النقل والترجمة في خلافة بني العباس، مما استدعى إفراد هذا النشاط بفصل مستقل.

الفصل الثامن: آثار ظاهرة النقل والترجمة الحسنة والسيئة، (الإيجابية والسلبية)، على الحضارة الإسلامية، ومن ثَمَّ على الحضارات التالية لها، التي استعانت بالحضارة الإسلامية.

الخاتمة: وقد احتوت على النتائج والتوصيات.

ثم عمدتُ في نهاية البحث إلى رصد ما تمَّت الاستعانة به من المصادر والمراجع الأساسية، مرتبة ترتيبًا ورقيًّا (ببليوجرافيًّا) حسب حروف الهجاء للاسم الأخير للمؤلف.

وكان لا بدَّ من التوكيد عند الحديث عن العصر العباسي على الخلافة العباسية، وليس العصر العباسي؛ لأن الأمر يقتضي شيئًا من التخصيص في الحديث، والتوسُّع في الولايات الإسلامية التي عاصرت الخلافة العباسية في بغداد؛ مثل الدولة الأُموية في الأندلس، والولايات الأخرى في أفريقيا والشام والشرق الإسلامي.

وقد حرصت على الوقوف عند أسماء الأماكن والأعلام؛ أعطي عنها نبذة محدودة جدًّا، من مصادر قريبة جدًّا منها زمانًا، ثم من المراجع الحديثة، التي أَثْرَتْ هذا الموضوع، وأعطته اهتمامًا مستحقًّا.

وعمدت إلى تحبير (تسويد) أسماء الأعلام والأماكن والكتب في النصِّ، وكثر التحبير، لكثرة ما يستدعيه، إلا ما جاء ضمن نص منقول، فيبقى دونَ تحبير، أما في الهوامش فتحبر أسماء الكتب، والدوريات فقط.

كما حرصت على مقابلة التقويم الهجري بالتقويم الميلادي على وجه التقريب.

ولقد سعيتُ في هذه الطبعة إلى المزيد من تتبُّع ما كتُب عن هذا الموضوع، ورجعت إلى ما يزيد عن مائة وسبعين مصدرًا ومرجعًا، وبعضها رجعتُ إليه أكثر من مرة - بل مرات - إذ ظهر منها ما يُعول عليه كثيرًا في خدمة هذا الموضوع؛ مثل كتاب "الفهرست" لمحمد بن إسحاق النديم[5]، وكتاب "معجم الأدباء"؛ لياقوت الحموي، فقد كثُر الرجوع إلى هذين المصدرين، وأعان عليها - بعد عون الله - توافرها من خلال قواعد المعلومات الورقية (الببليوجرافية)، والإحاطة الجارية، والبث الانتقائي للمعلومات، هذه المفهومات التي كنا نراها "ثورة" في عالم المعلومات، فأضحت اليوم من معطيات البحث العلمي، ومن ميسراته، (وكانت المصادر والمراجع قد وصلت في الطبعة الأولى إلى اثنين وثمانين (82) مصدرًا ومرجعًا).

ولقد تبين لي في هذه الطبعة، ومن خلال المزيد من المتابعة للمنشور التوكيد على أنني لم آتِ بجديد، من حيث عرض المعلومات، بل ربما كان هذا البحث مراجعةً لبحوث سبقته، وإن كان هناك من تميُّز فيه فربما كان في ذكر حسنات ظاهرة النقل والترجمة وسيئاتها (إيجابياتها وسلبياتها)، ثم فيما توصلت إليه من نتائج وتوصيات، حرصت فيها على مفهوم تأصيل النقل والترجمة، وربما تأصيل مفهوم النقل والترجمة.

ولعل المحاولات التي جاءت في هذه الوقفة مع ظاهرة النقل والترجمةتكون منطلقًا إلى مزيد من التركيز على هذه الظاهرة العلمية العجيبة في تاريخ المسلمين.


[1] يتلازم في هذا البحث مصطلحا النقل والترجمة، ويراد بهما معنى واحدٌ، على ما سيأتي بيانه في مناقشة المفهومات.

[2] رشيد حميد حسن الجميلي، حركة الترجمة في المشرق الإسلامي في القرنين الثالث والرابع للهجرة - طرابلس (ليبيا)، الكتاب والتوزيع والإعلان والمطابع، 1982م - ص: 516.

[3] محمد محمود بيومي: لماذا نترجم؟ الفيصل ع 239 (جمادى الأولى 1417هـ/ سبتمبر - أكتوبر 1996م) - ص: 20 - 22.

[4] مفتاح محمد دياب: مقدمة في تاريخ العلوم في الحضارة الإسلامية - بنغازي: الهيئة القومية للبحث العلمي، 1993م - ص: 54.

[5] يقال له: النديم وابن النديم، وقد رجَّحت إطلاق النديم في هذا البحث، دون أن يسبق بلفظة ابن، متابعًا فيه من رجَّح ذلك، وممن رجح النديم على ابن النديم: لطف الله قاري، في بحث له نشرَه في مجلة: الفيصل، بعنوان: ترجيح لقب النديم سبق إليه باحثون إيرانيون - الفيصل ع 180 (جمادى الآخرة 1412هـ/ ديسمبر 1991 - يناير 1992م) - ص: 121، وأكَّد على ذلك في بحث عنوانه: النديم الورَّاق مؤرخ العلوم، من كتابه: إضاءة زوايا جديدة للتقنية العربية الإسلامية - الرياض: مكتبة الملك فهد الوطنية، 1416هـ/ 1996م - ص: 217 - 258، وهو بحث سبق للمؤلف أن قدَّمه للمؤتمر السنوي الثالث عشر لتاريخ العلوم عند العرب، المنعقد في معهد تاريخ العلوم بجامعة حلب سنة 1409هـ/ 1989م، وانظر كذلك ص: 296 من الكتاب أعلاه، وذلك عن مقالة نشرها محمد جواد مشكور بعنوان: كتاب الفهرست للنديم المعروف خطأ بابن النديم وطبعته الجديدة - مجلة الإخاء ع 231 و232 (مايو/ أيار 1972م)، ثم نشر المقالة نفسها في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق مج 52 (1977م) - ص: 336 - 359، وستأتي ترجمة النديم في الفصل الأول.

نقلًا عن الألوكة

 

اعجبنى المقال
   
 
 
 
شاركنا تابعنا للتواصل

   
art@arabletters.com
info@arabletters.com