مشاركة ملف الصفحة الرئيسية البحث تابعنا
مؤتمر أردني دولي لأساتذة اللغة الإنجليزية وآدابها والترجمة هل مازال بإمكاننا الحفاظ على لغتنا من الضياع؟ المترجم والمجرم مختارات يترجمها الشاعر محمد حلمي الريشة إنجازات مشروع كلمة للترجمة قراءة في تراجم حسن الشيخ مؤتمر بريطاني عربي حول الترجمة في لندن
 
كاتب المقال

كتب : المترجم العربي
الوظيفة : مدير الموقع
شاركنا المقال  
الآثار الإيجابية للترجمة
: مشاهدات 33 : اعجابات

الآثار الإيجابية للترجمة

أ.د.علي بن إبراهيم النملة

التمهيد:

من نتائج دعوة الإسلام إلى العلم والبحث عن الحكمة جرى نقل الفكر الإغريقي (اليوناني) والفارسي والهندي والمصري (القبطي)، وترجمته إلى اللغة العربية، لغة الإسلام والمسلمين.

 

وتتَّفق أدبيات الموضوع على أن لحركة النقل والترجمة نتائجَها الحسنة والسيئة (الإيجابية والسلبية)، التي ينبغي أن توضع في مكانها اللائق بها، عند تقويم هذه الحركة، ونقدها، دون إفراط أو تفريط، وهي مثلُ غيرها من الحركات الحضارية ذات وجهين، لا تسلم منهما؛ الوجه الحسن، الذي من أجله كان الإقبال عليها، والوجه السيِّئ الذي يدخل في مفهوم الضرر، أو الشر الذي لا بدَّ منه، ما دام ذلك كلُّه من صنع البشر.

 

الآثار الإيجابيَّة:

لعل من أبرز الآثار الحسنة (الإيجابية) للنقل والترجمة الآتي:

أولًا: حفظ التراث الإنساني، اليوناني (الإغريقي) والهندي والفارسي والمصري (القبطي)، من الضياع، وقد تم ذلك كله خلال مائة سنة أو أكثر، مما يعدُّ إنجازًا حضاريًّا رائعًا ضخمًا، لا نظير له في حياة الأمم.

 

ثانيًا: كان من ميزات هذا الحفظ التركيز على النافع منه للمسلمين والأمم الأخرى، فتمكن الأوروبيُّون من إعادة نقل تراثهم من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية، واللغات الأوروبية الأخرى، بعد أن تعلموا اللغة العربية.

 

ثالثًا: صقل هذا التراث العلمي، وبيان ما فيه من خلل، وتعديله، عن طريق المراجعات، والنقل والإضافة، فلم يكن المسلمون مجردَ نقَلَة فحسب.

 

رابعًا: قيام حضارة إسلامية راقية، جمعت بين العلوم النقلية والعقلية، بعد تخطِّي مرحلتي الأخذ والتأمُّل، مما أكسبها طابع الديمومة والتميُّز عن الحضارات السابقة واللاحقة.

وقد ساعد النقل والترجمة على بروز الاتجاه العقلي بوضوح في أفكار المسلمين، وكانت حركة النقل والترجمة "القوة الدافعة للمذهب العقلي".

 

خامسًا: ظهور طائفة كبيرة من العلماء، تهيَّأت لهم البيئة العلميَّة من خلال دُور العلم والحكمة، ومراكز النقل والترجمة، كما تهيَّأ لهم الدعم المادي والمعنوي من قبل الخلفاء وولاتهم وأمرائهم والموسرين، فكان لهم أثرُهم الواضح على الثقافات الأخرى، التي تلَتْ إبداعاتهم.

 

سادسًا: ظهور حضارة إسلامية، تتميَّز بالشمولية والعمق، مما جعلها في مستوى مقبول من قبل الأمم الأخرى، التي سعَتْ إلى تبنِّيها، أو تبنِّي أجزاء منها، رأت أنها تناسبُها.

 

سابعًا: تسهيل المهمة أمام علماء العصرَيْنِ الوسيط والحديث في استكمال ما قدمته الحضارة الإسلامية للعالم من اختراعات وابتكارات وتطوُّرات علمية في شتَّى الميادين.

 

ثامنًا: اتَّسعت اللغة العربية، بالمصطلحات العلميَّة، والتعبيرات الفلسفيَّة، التي انتقلت إلى العالم مع انتقال نتاج الحضارة الإسلامية إلى اللغات الأخرى، وانتشرت اللغة كذلك، لقابليتها للانتشار، وقدرتها على استيعاب المعارفِ والعلوم، عندما أصبحت هي اللغة العلميَّة.

 

تاسعًا: اتَّسع مجال الأدب العربي بما أدخل عليه من تعبيرات، وأفكار، ومعانٍ وخصائص جديدة.

 

عاشرًا: ازدهرت مهنة الوراقة والورَّاقين، فكان الورَّاقون ينسخون الكتبَ المنقولة والمترجمة لعدد كبير من الموسرين ومحبِّي المعرفة، حين يرغبون في اقتنائها في مكاتباتهم الخاصة، أو يوقفونها على طلبة العلم؛ ولذلك أثرَتْ حركة النقل والترجمة مهنة الوراقة "وانتساخُ الكتب المترجمة لعدد كبير من الناس الذين كانوا يحرصون على اقتنائها أو بيعها"، وبالتالي ازدهرت صناعة الورق، والأحبار، والأقلام، والخط العربي.

 

حادي عشر: كانت ظاهرة النقل والترجمة من الممهِّدات المهمة لحركة التأليف، التي أفادت من التراث المنقول، واتَّجه الناس إلى العلم والدراسة بدوافع علمية بحتةٍ، من خلال التعليق والتصحيح لما تمَّت ترجمتُه، ثم التأليف في الموضوعات نفسها، وفي موضوعات جديدة، مما أثرى المكتبة العربية الإسلامية بالإنتاج العلمي.

 

ثاني عشر: أثرت المكتبة الإسلامية، وكان لهذا أثرُه في تعدُّد المكتبات الخاصة والشخصية، والعامة، في العواصم والخانقاهات، والربط والترب والجوامع والمدارس، والمكتبات المتخصصة التابعة للبيمارستانات.

 

ثالث عشر: برزت فكرة التسامُح الديني مع أهل الذمَّة والمجوس من خلال تقريبهم من الخلفاء والأمراء والولاة، والإغداق عليهم نظيرَ جهودهم العلميَّة التي كانوا يقومون بها في النقل؛ فظهرت المناظرات بين المسلمين وأصحاب الفلسفة من الديانات الأخرى، ويبدي أهل الملل ما يعتقدونه، ويرونه أقربَ إلى العقل والمنطق.

 

رابع عشر: ساعدت ظاهرة النقل والترجمة على الخروج بفهم عام للمكتبة، لا يقتصر على اقتناء المجموعات وتخزينها، بل كانت المكتباتُ شبهَ مجامع علميَّة فيها حلقات العلم، وإنجازات النقل، والمراصد، والكتب، كما أن فيها المترجمين والورَّاقين، والمجلدين، الذين خصصت لهم الأعطيات، لتعفيَهم من البحث عن أسباب الرزق، وبالتالي التركيز على مهماتهم الجليلة.

 

خامس عشر: أسهمت ظاهرةُ النقل والترجمة في الحرص على العلوم الإسلامية ونقائها من الدخيل، بعد أن ظهر ما يمكن أن يُسمَّى بردِّ الفعل، في الطور الثالث من أطوار حركة النقل والترجمة في الخلافة العباسية، لا سيما عندما لحظ شيء من التداخل مع بداية الطور الثاني. ويدخل في ذلك - ضمنًا - استفادة الحضارة الإسلامية من علوم غيرها في ترسيخ علوم إسلامية ذات عَلاقة بالحساب والجبر والهندسة، خدمَت الدين الإسلامي في تحديد القبلة، وصيام شهر رمضان المبارك، وإفطاره، والحج وموسمه.

 

سادس عشر: ظهر واضحًا أن ظاهرة النقل والترجمة كوَّنت جسرًا فعَّالًا من الحوار مع الحضارات الأخرى السابقة على الحضارة الإسلامية، وبالتالي اللاحقة لها.

 

والحوار الحضاريُّ من أهم ركائز التعايُش بين الأمم، ويتمُّ بأشكال متعددة؛ لعلَّ النقل والترجمة من أبرزها - بل من أهمِّها - ذلك أن الحضارة كما يقول محمد عبدالحميد الحمد: "حوار ثقافي مستمرٌّ بين الأمم المتباينة الأَلْسُن، وأفضل أدوات التواصل هو اللسان، الذي قال عنه البيروني: اللسان هو الذي يترجمُ للسامع ما يريده القائل في الوقت الراهن، فكيف يتيسَّر نقل الخبر من الماضي إلى المستقبل على الألسنة مع تطاول الزمن؟ إنه لولا قوةُ النطق في الإنسان المبدع للخطِّ الذي يسري في الأمكنة سريان الرياح وفي الأزمنة سريان الأرواح ما كان ذلك ممكنًا، فسبحان الخالق مصلح أمور الخلق!".

 

نقلًا عن الألوكة

 


 

 

اعجبنى المقال
   
 
 
 
شاركنا تابعنا للتواصل

   
art@arabletters.com
info@arabletters.com